تسعى حركة حماس في خطابها السياسي والإعلامي إلى استثمار التقارير والقرارات الدولية التي تدين إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في قطاع غزة، لتوظيفها كأداة ضغط وحشد للرأي العام العالمي. البيان الأخير الصادر عن الحركة، والذي رحبت فيه بقرار الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية، يمثل امتدادًا لهذا النهج، إذ حاولت حماس تقديم القرار كتوثيق جديد لإبادة جماعية ممنهجة يتعرض لها الفلسطينيون، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولية الصمت وعدم التحرك. لكن خلف هذا الخطاب يبدو تناقض جوهري، يتمثل في أن الحركة التي تسعى لتوظيف المظلومية الفلسطينية على المستوى الدولي هي ذاتها التي تتمسك بإدارة غزة بالقوة، وترفض أي صيغة لتقاسم السلطة أو تسليم الحكم، ما يجعل المدنيين هم الضحية الأكبر لسياساتها.
تعقيد المشهد
القرار الذي صدر عن الرابطة الدولية –بصفته مؤسسة أكاديمية عالمية مرموقة– يعكس بلا شك خطورة الجرائم المرتكبة بحق سكان القطاع، ويمنح زخماً قانونياً وسياسياً للمساعي الدولية لمحاكمة إسرائيل. غير أن حماس تركز على استخدام مثل هذه التقارير في تثبيت سرديتها أمام العالم، دون أن تُظهر استعدادًا لمراجعة سياساتها التي ساهمت في تعقيد المشهد، وأبقت غزة رهينة للحصار والحروب المتكررة. فالحركة تدرك أن تمسكها بالسلطة في القطاع يمنحها موقعًا سياسيًا تفاوضيًا، لكنها تفعل ذلك على حساب معاناة أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين منذ سنوات، يعيشون الآن أوضاعًا إنسانية غير مسبوقة.
المفارقة أن حماس ترفع شعار “الدفاع عن الشعب”، لكنها في الوقت نفسه ترفض أي خطوات قد تفضي إلى صيغة حكم تشاركي أو إشراف دولي أو عربي على إدارة غزة، خشية فقدان نفوذها. هذا التمسك يعزز حالة الانقسام الفلسطيني، ويضعف الجبهة الداخلية، بل يمنح إسرائيل ذريعة لاستمرار عدوانها بذريعة مواجهة “كيان مسلح يسيطر بالقوة”. النتيجة أن المدنيين الفلسطينيين يُتركون في مواجهة مباشرة مع القصف والجوع والحرمان، بينما تتعامل القيادة السياسية لحماس مع هذه التضحيات باعتبارها جزءًا من “معركة الوجود”.
حماس ترفض التنازلات
كما أن الاعتماد المفرط على إصدار البيانات والتعويل على تقارير المؤسسات الدولية، رغم أهميتها، لا يكفي لتغيير الواقع على الأرض. فالتجارب أثبتت أن القرارات والبيانات الأممية أو الأكاديمية، مهما كانت قيمتها القانونية أو المعنوية، تبقى بلا أثر حقيقي ما لم تترافق مع رؤية سياسية فلسطينية موحدة ومشروع وطني جامع قادر على استثمارها بفاعلية. لكن ما يجري أن هذه التقارير تُوظف لإعادة إنتاج خطاب المظلومية، في حين يغيب أي استعداد من حماس لتقديم تنازلات داخلية أو السماح ببناء شراكة سياسية تُخفف عن المدنيين وتمنح القضية الفلسطينية قوة إضافية في الساحة الدولية.
وبذلك يصبح موقف الحركة عرضة لانتقادات متزايدة، لأنها من جهة تحتفي بقرارات دولية تصف ما يجري بأنه إبادة جماعية، وتطالب المجتمع الدولي بالتحرك، لكنها من جهة أخرى ترفض التخلي عن احتكارها للقرار في غزة، وتصر على إبقاء القطاع تحت إدارتها حتى وإن كان الثمن استمرار الكارثة الإنسانية. هذا التناقض يضعف موقف الفلسطينيين أمام العالم، ويجعل البيانات الصادرة عن حماس تبدو أقرب إلى محاولة للهروب من مسؤولياتها الداخلية أكثر من كونها إستراتيجية حقيقية لحماية المدنيين.






