في خطوة جديدة تجسد البعد الإنساني الثابت في السياسة المغربية تجاه الشعب الفلسطيني، أصدر العاهل المغربي الملك محمد السادس، بصفته رئيس لجنة القدس، توجيهاته بإرسال شحنة جديدة من المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وتأتي هذه المبادرة في ظل الظروف الحرجة التي يعيشها سكان القطاع، لتؤكد على استمرار التزام المملكة بالقضية الفلسطينية بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة أو المزايدات الإعلامية.
مبادرة إنسانية تحمل رسالة سياسية واضحة
المساعدات الجديدة، وفق بيان صادر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، تشمل نحو 100 طن من المواد الغذائية الأساسية والأدوية، مع تركيز خاص على احتياجات الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال والرضع. وقد شدد الملك محمد السادس على أن يتم إيصال هذه الشحنة جواً لضمان وصولها العاجل إلى السكان، في ظل الصعوبات اللوجستية المتزايدة التي تعرقل دخول المواد الحيوية للقطاع.
ولا تنفصل هذه الخطوة عن سجل من المبادرات المغربية المتواصلة، إذ سبق للملك أن وجه في يوليو الماضي بإرسال مساعدات إنسانية بلغت نحو 180 طناً، تضمنت أغذية وأدوية وحليباً للأطفال ومعدات طبية وتجهيزات للإيواء. ولأن الدعم لم يكن موسمياً أو ظرفياً، فقد اعتمد المغرب دوماً مقاربة متكاملة تراعي الاستمرارية وتترجم المواقف السياسية إلى خطوات عملية على الأرض.
المغرب بين الموقف المبدئي والفعل الميداني
المراقبون يؤكدون أن المغرب يختلف في مقاربته للقضية الفلسطينية عن كثير من الدول التي تكتفي بالشعارات. فالرباط لا تنتظر إشادة خارجية ولا تستثمر سياسياً أو إعلامياً في دعم الفلسطينيين، بل تنطلق من قناعة راسخة أن القضية الفلسطينية تظل جوهر أي سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. ولهذا فإن الدعم المغربي يتجسد في أفعال عملية ملموسة، سواء عبر المساعدات المباشرة أو عبر الذراع التنفيذية للجنة القدس، المتمثلة في وكالة بيت مال القدس.
وكالة بيت مال القدس… التزام طويل الأمد
الوكالة، التي تعمل تحت إشراف مباشر من الملك محمد السادس، تُعد من أبرز آليات الدعم المغربي للفلسطينيين. فمنذ مارس الماضي، أشرف الملك على إطلاق عملية إنسانية لإيصال مساعدات غذائية للفلسطينيين في غزة والقدس الشريف، وتكفل بجزء مهم من التمويل من ماله الخاص. كما تواصل الوكالة تنفيذ مشاريع اقتصادية واجتماعية وتعليمية وثقافية في القدس، ما ساهم بشكل ملموس في تحسين ظروف السكان وتعزيز صمودهم أمام محاولات التهويد والضغط الإسرائيلي.
دعم سياسي متوازن ورؤية شاملة
الدعم المغربي لا يتوقف عند حدود المبادرات الإنسانية، بل يمتد إلى الموقف السياسي الواضح من القضية الفلسطينية. ففي خطاب ألقاه الملك محمد السادس خلال القمة العربية الثالثة والثلاثين بالمنامة في مايو 2024، أكد أن “قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية ومن الدولة الفلسطينية الموحدة”، مشدداً على ضرورة تسريع تقديم المساعدات الإنسانية للقطاع بشكل مستدام وتعزيز حماية المدنيين.
كما شدد العاهل المغربي، في خطاب العرش للعام الماضي، على أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار، وأن قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية يمثل جوهر التسوية العادلة، بما يقطع الطريق أمام المتطرفين ويعيد مسار المفاوضات إلى نصابه.
رسالة المغرب إلى العالم
في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي وما يرافقه من حصار خانق على غزة، تبدو المبادرات المغربية بمثابة رسالة مزدوجة: رسالة إنسانية تؤكد الوقوف الدائم إلى جانب الفلسطينيين في محنتهم، ورسالة سياسية تبرز أن المواقف المبدئية للمغرب لا تنفصل عن الأفعال الميدانية. وبهذا النهج، يواصل المغرب تعزيز حضوره في الملف الفلسطيني، ليس بالشعارات، بل بالخطوات العملية التي تخفف من معاناة المدنيين وتدعم صمودهم على الأرض.






