الوضع في مستشفيات غزة لم يعد مجرد أزمة صحية مؤقتة يمكن احتواؤها بالإجراءات التقليدية، بل تحول إلى حالة كارثية شاملة تُهدد بانهيار المنظومة الطبية بالكامل، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي والحصار الخانق. تصريحات مروان الهمص، مدير عام المستشفيات الميدانية في غزة، تعكس عمق الكارثة التي لم تعد تقتصر على نقص الأدوية أو المعدات، بل امتدت لتشمل نقصًا حادًا في المياه والغذاء، وانتشارًا مقلقًا للأمراض، وتدهورًا يوميًا في القدرة على تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية.
انهيار القطاع الصحي
المستشفيات، التي يُفترض أن تكون خطوط الدفاع الأخيرة في مواجهة الكوارث، باتت عاجزة عن استقبال أعداد المصابين المتزايدة نتيجة القصف المستمر، كما لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات الطبية الطارئة، خاصة في ظل انقطاع الإمدادات، وغياب الوقود، وتعطل شبكات الكهرباء والمولدات. هذا الانهيار لا يهدد حياة الجرحى والمصابين فقط، بل يشمل أيضًا أصحاب الأمراض المزمنة، والحوامل، والرضّع، ومن يحتاجون إلى تدخلات علاجية مستمرة.
النقص الحاد في الغذاء والمياه لم يُصب السكان المدنيين وحدهم، بل امتد إلى الطواقم الطبية والمرضى داخل المستشفيات، ما يعني أن البيئة العلاجية نفسها باتت غير صالحة للبقاء، ناهيك عن تقديم أي علاج فعلي. ومع تفشي الأمراض المعدية بسبب اكتظاظ أماكن النزوح وسوء الصرف الصحي، يصبح قطاع الصحة في غزة على شفا انهيار وبائي واسع قد يودي بحياة الآلاف، حتى دون أن تصلهم قذائف الاحتلال.
تحذيرات المؤسسات الإنسانية
ما يزيد من خطورة الوضع هو غياب أي مؤشرات على انفراجة قريبة. فالمجتمع الدولي، رغم تحذيرات المؤسسات الإنسانية، لم يتحرك بالشكل المطلوب لفتح ممرات إغاثة آمنة، أو فرض هدنة صحية تسمح بدخول الأدوية والمستلزمات. وفي المقابل، تواصل إسرائيل استهداف البنية التحتية الصحية، إما بالقصف المباشر أو بالحصار الذي يمنع إعادة تأهيل المستشفيات أو إدخال المواد الأساسية.
الدعوة التي وجهها الهمص للمجتمع الدولي ليست مجرد نداء إغاثة، بل صرخة استغاثة من نظام صحي يحتضر. فمع كل يوم يمر دون تدخل فعلي، تتزايد أعداد الضحايا، وتُغلق أبواب النجاة في وجه المدنيين، ويُسجَّل المزيد من الفشل في حماية أبسط حقوق الإنسان: الحق في الحياة والعلاج.
مجزرة صامتة
إن استمرار الوضع بهذا الشكل لا يعني فقط كارثة إنسانية محلية، بل فضيحة أخلاقية وإنسانية على مستوى العالم، إذ تُترك مستشفيات غزة لتنهار تحت أنقاض الحرب، بينما تتفرج القوى الكبرى وتكتفي بالتنديد اللفظي. وإذا لم يتم اتخاذ خطوات عاجلة لإدخال الإمدادات، وإجلاء الحالات الحرجة، وحماية المنشآت الصحية من الاستهداف، فإن المشهد الطبي في غزة سيتحوّل من أزمة قابلة للاحتواء إلى مجزرة صامتة تُنفذ بالأمراض والعطش والجوع، لا بالقنابل وحدها.






