تشهد ليبيا حالة من الانقسام السياسي والأمني، منذ فترة طويلة، بسبب النزاعات المسلحة وهشاشة في مؤسسات الدولة وضعف في المنظومة العسكرية والأمنية، خاصة في ظل تعثر جهود توحيد الجيش وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة، إذ ترى السلطات الليبية المتحالفة مع أنقرة في الوجود العسكري التركي عامل توازن وردع، ودعامة أساسية لدعم الاستقرار وحماية المؤسسات الشرعية، إضافة إلى تعزيز قدرات الجيش الليبي عبر التدريب والتعاون العسكري، بما يسهم في منع عودة الصراع المسلح والحفاظ على التوازنات القائمة في المشهد الليبي المعقد.
وكان البرلمان التركي، قد وافق على تمديد مهمة القوات التركية في ليبيا لمدة عامين، بدءاً من 2 يناير (كانون الثاني) المقبل، وذلك بموجب مذكرة مقدَّمة من الرئاسة لمنح الرئيس رجب طيب إردوغان الصلاحية لتمديد بقاء القوات. في غضون ذلك، أجرى رئيس الأركان الليبي، محمد على الحداد، مباحثات في أنقرة، الثلاثاء، مع وزير الدفاع التركي يشار غولر، ورئيس الأركان سلجوق بيرقدار أوغلو، تناولت التعاون العسكري بين الجانبين.
انتهاك مبدأ السيادة الوطنية
وتعقيبا على القرار، انتقدت الأستاذة بجامعة سرت فرحة الشريدي، قرار تمديد بقاء القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين، يمثل تكريسا للتدخل الأجنبي في الشأن الليبي، وانتهاكا صريحا لمبدأ السيادة الوطنية، متسائلة “ما الذي يربط تركيا بليبيا حتى تمدد قواتها على أراضيها؟.
وأضافت أن تحويل ليبيا إلى ساحة نفوذ إقليمي أو منصة لتصفية حسابات جيوسياسية، يعدّ اعتداء على إرادة الليبيين”، مؤكدة أن أمن البلاد وسيادتها “لا يقررهما برلمان خارج حدودها، وأن ليبيا “ليست إرثًا عثمانيا ولا دولة تدار بقرارات خارجية”. حسب العربية.
في المقابل، أكد الأكاديمي السياسي، محمد يوجا، أن اتفاقيات التعاون العسكري والأمني التي وقعتها أنقرة مع الحكومة الليبية المعترف بها أسهمت بإعادة رسم موازين القوى على الأرض، وكرّست تركيا لاعبا لا يمكن تجاوزه في معادلة الأزمة الليبية. مشيرًا إلى أن الوجود العسكري التركي في ليبيا يمكن فهمه في بداياته بوصفه تدخلا ظرفيا فرضته تطورات الحرب الأهلية ومساراتها المتقلبة، غير أن هذا الدور سرعان ما تجاوز طابعه المؤقت ليتحول، مع مرور الوقت، إلى خيار إستراتيجي أكثر رسوخا وتعددا في الأبعاد. حسب الجزيرة نت.
حسابات التوازن البحري وترسيم مناطق النفوذ
وأضاف يوجا أن هذا التحول يرتكز أساسا إلى اعتبارات تتصل بأمن تركيا الإقليمي ومصالحها الجيوسياسية والطاقوية في شرق البحر الأبيض المتوسط. ووفق هذا المنظور، لم يعد الوجود العسكري مجرد خطوة تكتيكية للتأثير في مجريات الصراع، بل بات أداة تهدف إلى مأسسة النفوذ التركي والمشاركة في صياغة ملامح المرحلة التي تلي النزاع.
وحسب تقديره، ليبيا تُمثل عقدة مركزية في حسابات التوازن البحري وترسيم مناطق النفوذ ومسارات الطاقة في المتوسط، وهو ما يمنح الوجود العسكري التركي بعدا ردعيا ويُعزّز أوراق أنقرة التفاوضية. ومن ثم، فإن هذا الحضور لا يندرج ضمن استجابة عسكرية قصيرة الأمد، بل يشكل جزءا مكملا لإستراتيجية تركية أوسع في المتوسط، تَحول فيها الدور العسكري إلى ركيزة من ركائز بناء نفوذ إقليمي مستدام، وإلى عنصر فاعل في هندسة منظومة أمنية تسعى أنقرة عبرها لتثبيت موقعها كقوة مؤثرة في معادلات المنطقة.
اتفاقيات بديلة لترسيم الحدود البحرية
وفي السياق ذاته، يرى المحلل السياسي، علي فؤاد جوكشه، أن الوجود التركي في ليبيا يكتسب أهمية إستراتيجية بالغة، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر آنية ومحتملة قد تتفاقم في مراحل لاحقة. مؤكدًا في تصريحات للجزيرة نت، أن أنقرة انطلاقا من حساباتها الأوسع في شرق المتوسط، تجد نفسها مضطرة إلى مواصلة شراكتها مع ليبيا والاستمرار في هذا الوجود، حتى مع إدراكها للكلفة والأخطار المصاحبة له. فالمسألة، بحسب تقديره، لا تقاس بمنطق المخاطر قصيرة الأمد، بل بميزان المكاسب الإستراتيجية التي حققتها تركيا في معادلة شرق المتوسط.
ويُحذّر جوكشه من أن أي تراجع تركي عن هذا الحضور قد يفتح الباب أمام ليبيا لإبرام اتفاقيات بديلة لترسيم الحدود البحرية مع دول أخرى، كاليونان أو إيطاليا أو مصر، وهو ما من شأنه أن يطيح بجميع المكاسب التي حققتها أنقرة بموجب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة سابقا مع طرابلس.






