عاد الملف اليمني إلى واجهة التوتر العسكري الحاد في أعقاب خرق جوي تعرضت له الأجواء اليمنية من جانب إيران. هذا التطور فجّر سلسلة من التهديدات المتبادلة، حيث توعدت جماعة الحوثي باستهداف المنشآت الحيوية والمطارات في المملكة العربية السعودية، في حين أكدت قيادة تحالف دعم الشرعية أنها سترد “بحزم وقوة غير مسبوقين” لحماية أمن المملكة وسيادة اليمن.
حادثة الطائرة الإيرانية.. شرارة الأزمة الجوية
اندلعت الأزمة الأخيرة يوم الجمعة بعد رصد أول رحلة جوية إيرانية يتم تأكيدها علناً إلى مطار صنعاء الدولي منذ نحو عقد كامل. وتضاربت الروايات والردود حول هذه الحادثة على النحو التالي:
الرواية الحوثية: اتهمت الجماعة السعودية بانتهاك المجال الجوي اليمني عبر محاولة طائرات حربية سعودية منع هبوط طائرة مدنية إيرانية كانت تقل أكثر من 200 راكب من العالقين والجرحى والمرضى. وزعم المتحدث العسكري للحوثيين، يحيى سريع، أن قواتهم استخدمت صواريخ دفاع جوي لإجبار الطائرات السعودية على التراجع.

موقف مجلس القيادة الرئاسي اليمني: عقد المجلس اجتماعاً طارئاً وصف فيه تسيير إيران لرحلة مباشرة إلى صنعاء بأنه “انتهاك صارخ” لسيادة اليمن، و”تحدٍّ سافر” للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن. واتهم المجلس الجماعة بتقويض فرص السلام، داعياً الأمم المتحدة إلى اتخاذ “إجراءات رادعة” ضد طهران.
السياق الميداني للخرق: أوضح محرر الشؤون اليمنية في قناة الجزيرة، أحمد الشلفي، أن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها خرق للأجواء اليمنية منذ عام 2015، حيث تتولى السعودية فرض الحظر الجوي بموجب تفويض أممي. وتزامن الحادث مع مغادرة وفد حوثي إلى إيران للمشاركة في تشييع المرشد الراحل علي خامنئي، الذي قُتل بغارة أمريكية إسرائيلية في 28 فبراير/شباط الماضي.
حرب كلامية.. وعيد بالاستهداف وتهديد برد “غير مسبوق”
أدت الحادثة إلى تصعيد حاد في اللهجة العسكرية بين الطرفين، تمثلت في مواقف رسمية حازمة:
وعيد الحوثيين: لوّح المتحدث العسكري للحوثيين يحيى سريع باستهداف المطارات السعودية والمرافق الحيوية والاقتصادية والضرب في عمق المملكة إذا تكررت محاولات اعتراض الأجواء.
رد التحالف العربي: جاء الرد على لسان المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، الذي أكد السبت أن التحالف سيرد “بحزم وقوة غير مسبوقين” على أي محاولة تستهدف المملكة أو تمس أمنها ومصالحها وسيادة اليمن.
واعتبر المالكي أن تهديدات الحوثيين ليست سوى محاولة مكشوفة لـ “صرف الأنظار عن انتهاكاتهم الجسيمة بحق الشعب اليمني”، وتصدير الأزمات والكوارث الاقتصادية الداخلية إلى المحيط الإقليمي. وأضاف أن الجماعة تحاول تحويل الأنظار عن حالة الرفض والشلل التي تواجهها محلياً من قبل القبائل والمكونات الاجتماعية. وأشار إلى أن التحالف طرح خارطة طريق لحل الأزمة حظيت بموافقة الحكومة الشرعية ولكن الحوثيين رفضوها، واختاروا مواصلة استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
خلفيات التصعيد.. قضايا اقتصادية وفيتو أمريكي
وفقاً للتحليلات الإخبارية، لا ينفصل هذا التصعيد الجوي عن تعثر المسار السياسي والاقتصادي بين الأطراف، ويرتبط بالدوافع التالية:
فشل المحادثات الاقتصادية: جاء التصعيد نتيجة عدم تلبية مطالب الحوثيين بعد جولات مكثفة من المحادثات التي أُجريت مع الحكومة اليمنية والجانب السعودي بشأن ملفات اقتصادية عالقة.
الرفض الأمريكي: ترفض الولايات المتحدة الأمريكية فتح المطارات والموانئ بالكامل أمام الحوثيين أو السماح بتسليم أي مبالغ مالية لهم؛ بسبب استمرار انخراطهم في “محور المقاومة” وإسنادهم العسكري لقطاع غزة وإيران وحزب الله.
حشد قبلي ونفير عام.. هل ينهار الاستقرار الهش؟
تشير التحركات الميدانية إلى أن اليمن بات على شفا العودة إلى مربع المواجهات الشاملة التي تسببت منذ 2015 في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.
وكان زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، قد ألقى خطاباً في 25 حزيران/يونيو الماضي، أكد فيه رفضه لاستمرار ما وصفه بـ “الحرب الاقتصادية والحصار الأمريكي السعودي”، متعهداً بالتحرك بكل الوسائل المشروعة لإنهاء هذا الواقع. ودعا الحوثي إلى استمرار التعبئة العامة والتحاق عناصر القبائل بالدورات العسكرية المفتوحة.
وبناءً على هذه التوجيهات، أعلنت الجماعة الشهر الماضي حالة الجاهزية والنفير العام ودخول “مرحلة ميدانية جديدة”، حيث دشنت معسكرات تأهيل عسكري مكثفة في العاصمة صنعاء. وفي المقابل، تشهد المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية تجمعات قبلية موازية واستعدادات عسكرية يجريها الجيش اليمني لصد أي هجوم.
الجدير بالذكر أن اليمن يعيش في ظل هدنة نسبية بدأت في نيسان/أبريل 2022. ورغم انتهاء الهدنة رسمياً في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، فإنها صمدت ميدانياً وانحسرت معها المواجهات المباشرة؛ غير أن الخبراء يحذرون من أن غياب الثقة الراهن والوعيد المتبادل قد يطيح بمكاسب التهدئة ويعيد الأوضاع الميدانية إلى ما قبل عام 2022.






