تشهد اليمن تصعيدًا سياسيًا وعسكريًا مثيرًا، في ظل مع إصرار المجلس الانتقالي الجنوبي على تثبيت سيطرته بالقوة على حضرموت والمهرة، في خطوة أعادت خلط الأوراق داخل معسكر الشرعية وأثارت مخاوف إقليمية من تداعياتها على مسار الاستقرار في البلاد.
هذه الإجراءات تمثل تحديًا مباشرًا لسلطة الدولة، وتفتح الباب أمام مزيد من الانقسام والصراع في مناطق ظلت لسنوات بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة، وسط جهود سعودية–إماراتية مكثفة لاحتواء الموقف ومنع انزلاق الأوضاع نحو مرحلة أكثر تعقيدًا.
تقويض سلطة الحكومة الشرعية
منذ نحو ثلاثة أسابيع، يواصل المجلس الانتقالي الجنوبي بسط نفوذه بالقوة العسكرية على محافظة حضرموت النفطية شرقي اليمن، مجددًا، رفضه الانسحاب من المحافظة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أعلن المجلس في الوقت ذاته عزمه اتخاذ خطوات جديدة، تتمثل في منع حمل السلاح داخل المدن، وسط تحذيرات مقابلة من أن هذه الإجراءات من شأنها تقويض سلطة الحكومة الشرعية. حسب وكالات.
ويأتي هذا الموقف عقب دعوات محلية وإقليمية للمجلس الانتقالي بسحب قواته من حضرموت ومحافظة المهرة المجاورة، المرتبطة بحدود برية مع سلطنة عُمان. وتُعد محافظتي المهرة وحضرموت من أكبر المحافظات اليمنية، إذ تشكلان معًا نحو نصف مساحة البلاد، بما يقارب 555 ألف كيلومتر مربع، ولم تصل إليهما المعارك المباشرة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي منذ أكثر من عقد.
ومنذ 3 ديسمبر/كانون الأول الجاري، تسيطر قوات المجلس الانتقالي على محافظة حضرموت عقب معارك مع حلف قبائل حضرموت وقوات المنطقة العسكرية الأولى التابعة للحكومة اليمنية. وبعد أربعة أيام من السيطرة على حضرموت، بسطت قوات المجلس الانتقالي سيطرتها على محافظة المهرة، التي كانت خاضعة لسيطرة القوات الحكومية.
توثيق حالات اعتقال تعسفي وإخفاء قسري
ولبحث الأزمة، عقد رئيس الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي علي الكثيري اجتماعًا عبر الاتصال المرئي مع قيادات في مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، بحسب الموقع الإلكتروني للمجلس. وخلال اللقاء، قدم الكثيري إحاطة شاملة حول الأوضاع الأمنية والخدمية في حضرموت، مشيرًا إلى أن المحافظة تشهد “حالة من الاستقرار الطبيعي” منذ السيطرة على وادي وصحراء حضرموت في 3 ديسمبر الجاري، مؤكدًا عدم وجود بلاغات رسمية عن عمليات قتل أو اختطاف أو تصفيات، خلافًا لما يُتداول.
من جانبها، أعلنت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، توثيق 312 حالة اعتقال تعسفي وإخفاء قسري نفذتها عناصر تابعة للمجلس الانتقالي في وادي وصحراء حضرموت، خلال الفترة من 2 إلى 18 ديسمبر. غير أن الجيش اليمني أعلن، أن المجلس الانتقالي الجنوبي ما يزال يحتجز جثامين عدد من أفراد المنطقة العسكرية الأولى في محافظة حضرموت منذ سيطرته عليها.
وتشكلت قوات درع الوطن عام 2023 بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وتخضع لإمرته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية، في حين تُعرف قوات النخبة الحضرمية بولائها للمجلس الانتقالي. ولم يُعرف سبب إضافة الكثيري وصف “الجنوبية” إلى تسمية قوات درع الوطن، المعروفة بانتماء أفرادها إلى محافظات يمنية مختلفة، وقد يكون حديثه إشارة إلى قبول المجلس أفراد هذه القوات المنحدرين من المحافظات الجنوبية فقط.
تصعيد غير مبرر أضر بمصالح الشعب اليمني
ونشر موقع “سبتمبر نت”، الناطق باسم الجيش اليمني، أسماء 30 عسكريًا وصفهم بـ“شهداء الواجب الوطني” من أفراد المنطقة العسكرية الأولى. شملت القائمة خمسة ضباط برتبة عقيد، وضابطًا برتبة رائد، وضابطين برتبة ملازم، فيما البقية من صف الضباط والجنود. وجدد الجيش اليمني تأكيده أن “جثامين عدد من الشهداء ما تزال محتجزة لدى مليشيا المجلس الانتقالي”، وفق الموقع ذاته. حسب مراسل الأناضول.
وفي إطار مساعيها لمنع التصعيد، قالت وزارة الخارجية السعودية، في بيان، إن تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي العسكرية مؤخراً في محافظتي حضرموت والمهرة جرت “بشكل أحادي دون موافقة مجلس القيادة الرئاسي أو التنسيق مع قيادة التحالف”، ما أدى إلى “تصعيد غير مبرر أضر بمصالح الشعب اليمني بمختلف فئاته، وبالقضية الجنوبية وجهود التحالف”.
وأضاف البيان أن المملكة آثرت خلال الفترة الماضية التركيز على وحدة الصف وبذل الجهود للتوصل إلى حلول سلمية لمعالجة الأوضاع في المحافظتين، مشيراً إلى أن السعودية عملت، بالتنسيق مع دولة الإمارات ورئيس مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، على احتواء الموقف.
تسليم المعسكرات لقوات درع الوطن
وأوضح أن فريقاً عسكرياً مشتركاً من السعودية والإمارات أُرسل لوضع الترتيبات اللازمة مع المجلس الانتقالي في عدن، بما يضمن عودة قواته إلى مواقعها السابقة خارج المحافظتين، وتسليم المعسكرات لقوات “درع الوطن” والسلطة المحلية، وفق إجراءات منظمة وتحت إشراف قوات التحالف.
وأكدت الخارجية السعودية أن الجهود لا تزال متواصلة لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، معربة عن أملها في أن يبادر المجلس الانتقالي إلى إنهاء التصعيد والخروج بسلاسة وبشكل عاجل من حضرموت والمهرة، تغليباً للمصلحة العامة. وشددت المملكة على أهمية تعاون جميع القوى والمكونات اليمنية وضبط النفس وتجنب أي خطوات من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكدة دعمها رئيس مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والسلام في اليمن.






