يأتي قرار الرئيس محمود عباس بإجراء انتخابات لمجلس وطني فلسطيني جديد قبل نهاية العام الجاري في توقيت حرج تمر به القضية الفلسطينية، وفي ظل مشهد سياسي فلسطيني منقسم، وإقليمي بالغ التعقيد، لكنه يحمل في مضمونه محاولة واضحة من القيادة الفلسطينية لتجديد الشرعيات وترسيخ مؤسسات الدولة الوطنية، وتأكيد الالتزام بالمسارات القانونية والدستورية التي تحكم عمل منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
رسالة مزدوجة
القرار يعكس إدراكاً متنامياً لدى الرئاسة الفلسطينية بضرورة تفعيل البنية السياسية لمنظمة التحرير، بعد سنوات من الجمود أصابت مؤسساتها، وفي مقدمتها المجلس الوطني الذي يمثل برلمان الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. فالخطوة ليست مجرد إجراء إجرائي أو استجابة لضغوط، بل تحمل بعداً استراتيجياً في ظل ما تواجهه القضية الفلسطينية من تحديات بنيوية، تتعلق بتآكل الشرعيات وتراجع الأطر الجامعة، خاصة مع استمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وغياب الإجماع على آلية وطنية موحدة لإدارة الشأن السياسي الفلسطيني.
إعادة تشكيل المجلس الوطني وفق نظام انتخابي واضح، وتحديد عدد أعضائه مع تخصيص ثلث للشتات، يشير إلى حرص القيادة على تمثيل شامل يعكس حقيقة الوجود الفلسطيني المتناثر بين الوطن والمنافي، ويراعي الوزن السياسي والاجتماعي لفلسطينيي الشتات، الذين طالما شعروا بالتهميش في السياقات السياسية الداخلية. كما أن اشتراط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير وقرارات الشرعية الدولية، هو رسالة مزدوجة: من جهة تأكيد على الطابع المؤسسي للتمثيل، ومن جهة أخرى تذكير بالمحددات التي تنطلق منها السياسة الفلسطينية في المحافل الدولية، ما يعكس حرص الرئاسة على إبقاء منظمة التحرير في موقع الشريك الدولي المسؤول، لا التنظيم الفصائلي المتنازع على شرعيته.
تكريس الاستقرار المؤسسي
المبادرة كذلك تعبّر عن محاولة واضحة لكسر الجمود في الحياة السياسية الفلسطينية، التي ظلت معلّقة على صراعات داخلية منذ آخر انتخابات تشريعية ورئاسية جرت عام 2006. فالدعوة إلى انتخابات وطنية جامعة تُنظَّم من خلال مؤسسات المنظمة، تُعيد الاعتبار لفكرة التمثيل التعددي، وتفتح الباب أمام مشاركة فاعلة للفصائل والمجتمع المدني، وهو ما يتضح من تشكيل لجنة تحضيرية واسعة التمثيل تتضمن أعضاء من اللجنة التنفيذية، وممثلين عن الفصائل والمنظمات الشعبية والجاليات الفلسطينية. هذا التوسيع للمشاركة يعزز من مصداقية العملية، ويعطيها طابعًا وطنيًا جامعًا يمكن أن يكرّس الاستقرار المؤسسي على المدى الطويل.
ولعل توقيت الإعلان أيضًا يحمل دلالة رمزية، كونه يأتي في ظل تصعيد غير مسبوق في قطاع غزة، وفي لحظة يواجه فيها المشروع الوطني الفلسطيني ضغوطًا إسرائيلية ودولية غير مسبوقة، سواء على مستوى محاولات تغييب حل الدولتين، أو عبر طرح مشاريع بديلة تُهدد وحدة التمثيل الفلسطيني. لذلك، فإن التوجه نحو استحقاقات انتخابية حقيقية داخل أطر منظمة التحرير هو في جوهره تثبيت لوظيفة المنظمة، لا فقط بصفتها كيانًا تاريخيًا، بل كجسم حي قادر على التجدد ومواكبة متطلبات المرحلة.
تفعيل الحياة السياسية الفلسطينية
ورغم ما قد يواجهه القرار من عوائق سياسية ولوجستية، أبرزها استمرار الانقسام الفلسطيني، إلا أن أهميته تكمن في كونه خطوة أولى باتجاه إعادة تفعيل الحياة السياسية الفلسطينية، وتجديد مؤسسات التمثيل الوطني، وبثّ الحياة في منظمة التحرير كجسمٍ وطني عابر للانقسامات الفصائلية.
إن التقدم باتجاه هذا المسار، حتى وإن كان بطيئًا، يبقى ضرورة وطنية في سبيل الحفاظ على وحدة التمثيل الفلسطيني، واستعادة ثقة الشعب بالمؤسسات، وضمان الحد الأدنى من التوازن بين الاستجابة للواقع القائم والسعي نحو بناء دولة فلسطينية حديثة قائمة على المؤسسات.







