تشير المعطيات الأخيرة إلى تصاعد ظاهرة تداول المنتجات الغذائية الفاسدة ومنتهية الصلاحية في الأسواق الفلسطينية، لا سيما مع اقتراب شهر رمضان، ما يعكس تحديات مزدوجة تواجهها السلطات والقطاع الخاص والمستهلك على حد سواء. هذه الظاهرة ليست مجرد خرق للقانون أو تهديداً مباشراً للصحة العامة، بل هي مؤشر على ضغوط اقتصادية أوسع يعاني منها المجتمع الفلسطيني، تشمل تراجع القدرة الشرائية وطول فترات تخزين البضائع في المخازن والمعابر، ما يفتح المجال أمام الممارسات غير القانونية لإعادة ضخها في السوق.
وتكشف الجهود الرقابية المكثفة، التي تشمل آلاف الجولات التفتيشية وتطبيق إجراءات قانونية صارمة، عن محاولة لاحتواء هذه الظاهرة، لكنها في الوقت نفسه تبرز هشاشة نظم الرقابة وضرورة تعزيز التعاون بين الجهات الرسمية والمجتمع المدني لضمان سلامة الأغذية. كما تسلط هذه التطورات الضوء على دور المواطن في حماية نفسه من الغش التجاري، وإلزام التجار بالالتزام بالقانون، في ظل بيئة اقتصادية صعبة قد تدفع البعض إلى المجازفة وخرق المعايير الصحية.
أسباب انتشار البضائع الفاسدة
كمية كبيرة من البضائع الفاسدة كانت متجهة إلى قطاع غزة، ومكثت فترات طويلة على المعابر، قبل أن يعاد إلى مخازن التجار، حيث انتهت صلاحيتها نتيجة الكساد وانخفاض القدرة الشرائية بنحو 30%. فضلا عن أن بعض التجار أبلغوا جهات الاختصاص وأتلفوا البضائع، فيما أصر آخرون على إدخالها إلى السوق وبيعها. حسب تصريحات مدير عام الإدارة العامة لحماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني إبراهيم القاضي لوكالة وفا.
منذ مطلع العام الجاري وحتى تاريخه، تعاملت جهات الاختصاص مع 119 قضية، بواقع 236 طنا من البضائع الفاسدة، مقارنة بـ67 قضية فقط خلال شهري كانون الثاني وشباط من العام الماضي، بواقع 3.2 أطنان، من أصل 827 قضية تم التعامل معها العام الماضي، بكمية إجمالية بلغت 587 طنا. وفقا للقاضي.
وزارة الاقتصاد تنفذ شهريا نحو 450 جولة تفتيشية، ضمن خطة تغطي جميع المحافظات، سواء من خلال الجولات الميدانية أو عبر متابعة شكاوى المواطنين، فضلا عن أن التركيز يتضاعف خلال شهر رمضان على السلع الأكثر استهلاكا، مع سحب عينات منها للتأكد من مطابقتها للمواصفات والمقاييس.
خطة تنظيم الأسواق خلال شهر رمضان
الجولات الأخيرة أسفرت عن ضبط طن و300 كيلوغرام من الشوكولاتة في محافظة طوباس، وإغلاق محل لبيع الأسماك منتهية الصلاحية في بيت جالا، إضافة إلى منشآت مخالفة في رام الله وجنين، وتتضاعف العقوبات بحق التاجر الذي تتكرر مخالفته، وفق ما يقره القضاء الفلسطيني. حسب تصريحات مدير عام الإدارة العامة لحماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني لـ وفا.
وجرى ضبط 160 طنا من البضائع منذ مطلع العام، وإحالة سبعة تجار إلى القضاء خلال شهر كانون الثاني فقط، فيما لا تتوفر أرقام دقيقة للشهر الجاري حتى الآن، وأحالت وزارة الاقتصاد الوطني، خلال العام الماضي 145 تاجرا إلى نيابة الجرائم الاقتصادية. وفي جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، أقر المجلس خطة تنظيم الأسواق خلال شهر رمضان، ووجه جهات الاختصاص إلى تكثيف الرقابة لحماية المواطنين من السلع التالفة أو المخالفة للمواصفات، وضمان الالتزام بالتعليمات الفنية الإلزامية.
الخطة المعتمدة تركز على تعزيز الرقابة، وضمان توفر السلع بجودة وسلامة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والوزارات ذات العلاقة، وبالتعاون مع الهيئات المحلية، في ظل وجود أكثر من ألف بوابة نصبها الاحتلال عند مداخل القرى والمدن، إضافة إلى تشديد الرقابة على الأسعار، وسحب عينات من المواد الغذائية الأكثر استهلاكا خلال رمضان، مثل التمور والمربيات. وفقا للقاضي.
جنايات يعاقب عليها بالحبس والغرامات
دعا القاضي التجار إلى الالتزام بالقانون، محذرا من التعرض للمساءلة القانونية، كما دعا المواطنين إلى شراء المنتجات المحلية، والتواصل مع خط الشكاوى رقم 129 في حال الاشتباه بأي غش أو تلاعب، وعدم تداول معلومات غير دقيقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
جهاز الضابطة الجمركية يعمل وفق آلية استخبارية لجمع المعلومات عن الجهات التي تُدخل بضائع غير قانونية إلى السوق، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والمجالس المحلية، إضافة إلى الجولات الرقابية والحواجز المنتشرة عند مداخل المدن. الضابطة الجمركية، بصفتها جهة تنفيذية، تضبط البضائع المخالفة، وتنظم المحاضر، وتسُلّم المضبوطات إلى جهات الاختصاص لاستكمال الإجراءات القانونية، فضلا عن أن 119 قضية بضائع منتهية الصلاحية ضُبطت منذ مطلع العام الجاري، بواقع 236 طنا، مقابل 827 قضية خلال العام الماضي بكمية 587 طنا. حسب تصريحات مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام في جهاز الضابطة الجمركية إبراهيم عياش.
النيابة تتعامل مع الملفات فور إحالتها من جهات الضبط القضائي، وقد تقرر إغلاق منشآت، أو إصدار مذكرات إحضار، أو توقيف المتهمين، إلى حين استكمال التحقيقات، قبل إحالة الملفات إلى المحكمة المختصة. فضلا عن أن عدد القضايا الواردة إلى النيابة خلال العام الماضي بلغ 374 ملفا، فيما بلغ عدد الملفات المسجلة هذا العام في محافظة رام الله والبيرة وضواحي القدس نحو 10 ملفات، بالإضافة إلى أن قضايا البضائع منتهية الصلاحية تعد جنايات يعاقب عليها بالحبس والغرامات، مع تشديد العقوبة في حال التكرار. حسب تصريحات رئيس نيابة مكافحة الجرائم الاقتصادية والبيئية أشرف مشعل.
تحويل القضايا إلى رأي عام
“مشعل” أكد أن الملفات تختلف من مخالفة يتم تحريرها، أو جنحة، أو جناية، فالجنح تصل عقوبتها إلى ثلاث سنين كحد أقصى، والجناية قد تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، إضافة إلى العقوبات المالية التي يتم فرضها، أما المنتجات منتهية الصلاحية فهي جناية. وأن النيابة تنفذ القانون وتطبقه، بصفتها رئيس الضابطة القضائية، وتتابع أعمال مأمور الضبط القضائي كلٌ باختصاصه.
ظاهرة الأغذية الفاسدة ومنتهية الصلاحية انتشرت مؤخراً في الأسواق، وهذا الموضوع مسؤولية مشتركة، تبدأ بجهات إنفاذ القانون، ولا تنتهي عند المستهلك والتاجر، وتكمن أهمية الإبلاغ الفوري عن أي مخالفات، بتكثيف التوعية، وتحويل هذه القضايا إلى رأي عام ضاغط لحماية صحة المواطنين. حسب تصريحات رئيس جمعية حماية المستهلك صلاح هنية لـ وفا.
“هنية” لفت إلى أن الجمعية تتابع هذه القضايا من حيث وجود جهة الاختصاص الرسمية، ليكون تقرير الضبط دقيقا أمام النيابة العامة، والجمعية شريكة على طاولة لجنة ضبط وتنظيم السوق الداخلي، والمتابعات المباشرة مع وزير الاقتصاد الوطني، مشددا على أن دور الجمعية توعوي، لكنها تستطيع تحويل القضايا إلى رأي عام.






