اعتبر الكاتب شاهيلي داس، المحلل المستقل للسياسة الخارجية ومقره نيودلهي، أن دعوات الصين لكل من باكستان وأفغانستان للتحلي بالهدوء والالتزام بوقف إطلاق النار تعكس قلقًا صينيًا عميقًا تجاه مصالحها الحيوية في جنوب آسيا، مشيرًا إلى أن بكين تخشى بشكل خاص على مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني وعلى أمن مقاطعاتها الغربية، وعلى رأسها شينجيانغ.
وقال داس إن بكين، التي سعت خلال الأشهر الماضية إلى استعادة التوازن في العلاقات الباكستانية الأفغانية، تواجه تعقيدات غير مسبوقة نتيجة ما وصفه بـ«إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية». وأوضح أن باكستان، الحليف التقليدي للصين، تبدو في طور تقارب متنامٍ مع الولايات المتحدة، بينما تحاول الهند –منافس الصين الاستراتيجي– تعزيز علاقاتها مع حركة طالبان الأفغانية، بما في ذلك زيارة وزير خارجية طالبان أمير خان متقي إلى نيودلهي في أكتوبر 2025.
وأضاف أن هذه التحولات تحدث في وقت حساس شهد تصاعدًا في العنف على الحدود الباكستانية الأفغانية، ما دفع الصين إلى تكثيف حضورها الدبلوماسي وإطلاق مبادرات لاحتواء التوترات، حمايةً لاستثماراتها وطموحاتها الجيوسياسية في المنطقة.
التوترات تهدد مشروع CPEC والأمن الداخلي الصيني
وقال داس إن تصاعد الاشتباكات وتوتر العلاقات بين البلدين يطرح تهديدًا مباشرًا لمشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، الذي تبلغ قيمته 62 مليار دولار ضمن مبادرة الحزام والطريق، محذرًا من أن إغلاق معبر تورخام وارتفاع منسوب الأعمال العدائية قد يؤديان إلى تعطيل المشروع وتهديد أمن العمال الصينيين، خاصة مع نشاط جماعات مثل طالبان باكستان وعسكر جنجوي.
وأشار إلى أن وزارة الخارجية الصينية سارعت إلى مطالبة البلدين باتخاذ «تدابير ملموسة» لضمان أمن المشاريع والموظفين الصينيين، موضحًا أن أي تدهور إضافي قد يمتد أثره إلى داخل الأراضي الصينية نفسها بحكم الحدود المشتركة.
وأضاف أن التوترات بين باكستان وطالبان الأفغانية يمكن أن تعزز نشاط الجماعات الانفصالية التي تخشاها الصين، مثل حركة تركستان الشرقية الإسلامية، وكذلك جيش تحرير بلوشستان في باكستان، وهو ما يمثل تهديدًا مزدوجًا لأمن بكين الداخلي والخارجي.
تحولات جيوسياسية تضعف نفوذ الصين وتمنح الهند مكاسب
وقال داس إن الصين لطالما حاولت التأثير على أمن جنوب آسيا لموازنة صعود الهند، غير أن البيئة الاستراتيجية تغيرت بعد الصراع الهندي الباكستاني في مايو 2025. ورغم ظهور بوادر تقارب صيني–هندي في ملفات محددة، فإن التنافس بينهما ما زال محكومًا بنقاط خلاف حادة، من بينها الحدود المتنازع عليها وميزان التجارة غير المتكافئ.
وأشار إلى أن بكين وسّعت نفوذها في جنوب آسيا عبر مبادرة الحزام والطريق وتمويل مشاريع البنية التحتية، لكنها باتت تواجه «نقاط ضعف» واضحة، خاصة مع مساعي دول المنطقة إلى تنويع شركائها وتقليل اعتمادها على الصين في المعادن النادرة وسلاسل التوريد. واعتبر أن إرسال باكستان أول شحنة من المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، وكذلك قرار الهند تحويل مكتبها الفني في كابول إلى سفارة، يجسدان هذا التحول.
وأضاف داس أن الهند هي المستفيد الأكبر من التصدعات الحالية في العلاقات الصينية–الباكستانية، خاصة مع تعميق علاقاتها مع طالبان الأفغانية، والحصول على ضمانات من الحركة بعدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية ضد الهند.
الصين أمام اختبار نفوذها الإقليمي
ورأى داس أن بكين حاولت السير على خط دقيق بين الطرفين المتخاصمين، متجنّبة إلقاء اللوم على أي منهما، نظرًا لأهمية البلدين في طموحاتها نحو الهيمنة على سوق المعادن الاستراتيجية عالميًا. ومع ذلك، فإن التطورات المتسارعة في عام 2025 كشفت –بحسبه– حدود هذا النهج الحذر.
وختم داس بالقول إن الصين، التي تسعى إلى تثبيت قاعدة إقليمية آمنة تُمكّنها من تطوير دور عالمي أكبر، ستواصل تبني مزيج من «التلاعب السياسي والحوافز والإكراه» في تعاملها مع الشركاء في جنوب آسيا، مشيرًا إلى أن الصراع الباكستاني الأفغاني ليس سوى اختبار جديد لقدرتها على حماية مصالحها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.






