رحبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالاتفاق المؤقت الذي أبرمته الولايات المتحدة وإيران، مؤكدة استعدادها للانخراط في المشاورات الفنية الخاصة بتنفيذ بنوده، في خطوة تعكس عودة الدور الرقابي للوكالة إلى واجهة الملف النووي الإيراني بعد سنوات من التعقيدات والتوترات.
وأكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن المرحلة المقبلة ستشهد انطلاق العمل الفني بين الوكالة وكل من واشنطن وطهران، لوضع الآليات التنفيذية اللازمة لتطبيق ما تم الاتفاق عليه ضمن مذكرة التفاهم الجديدة.
إشراف دولي على تنفيذ الاتفاق
وأوضح غروسي، خلال تصريحات للصحافيين في جنيف، أن وجود مذكرة تفاهم بين الجانبين يمثل تطوراً إيجابياً يفتح الباب أمام مسار جديد من التعاون، مشيراً إلى أن الوكالة ستبدأ فوراً التنسيق مع المسؤولين الأميركيين والإيرانيين لتحديد الخطوات التنفيذية المطلوبة.
وأشار إلى أن النص الذي ينص على تنفيذ الاتفاق تحت إشراف ومراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية يمثل أحد أهم عناصر التفاهم الجديد، لأنه يمنح الوكالة دوراً محورياً في متابعة الالتزامات والتأكد من تنفيذها وفق المعايير الدولية المتفق عليها.
وأضاف أن المناقشات المرتقبة ستركز على تحديد نوعية المعلومات التي تحتاج الوكالة إلى الاطلاع عليها، وطبيعة المواقع والمنشآت التي يجب أن تحصل على إمكانية الوصول إليها، بما يضمن تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق بصورة فعالة.
ويأتي الاتفاق الجديد في إطار مذكرة تفاهم مكونة من 14 بنداً، تم توقيعها مساء الأربعاء، حيث يقضي بتمديد وقف إطلاق النار المعلن في أبريل الماضي لمدة ستين يوماً إضافية، بما يشمل الساحة اللبنانية، بهدف توفير مساحة زمنية تسمح للطرفين باستكمال المفاوضات والسعي نحو التوصل إلى هدنة دائمة واتفاق أكثر شمولاً.
وبحسب مسؤولين من الجانبين الأميركي والإيراني، فقد جرى توقيع المذكرة رقمياً من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس إيران مسعود بزشكيان باللغتين الإنجليزية والفارسية، فيما أكدت وزارة الخارجية الإيرانية دخول الاتفاق حيز التنفيذ اعتباراً من الأربعاء.
تفاصيل التنفيذ تحدد حجم دور الوكالة
وأكد غروسي أن حجم المهام التي ستضطلع بها الوكالة خلال المرحلة المقبلة سيتوقف على الصيغة النهائية للاتفاق وما يتضمنه من التزامات وإجراءات رقابية.
وأوضح أن المفاوضات الفنية لن تتناول المبادئ العامة التي وردت في المذكرة فحسب، بل ستركز بصورة أساسية على تحويل هذه المبادئ إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ، بما يشمل آليات التفتيش والمتابعة والتقييم المستمر.
وأشار إلى أن هذه المرحلة تعد الأكثر حساسية، نظراً لأنها ستحدد طبيعة العلاقة المستقبلية بين الأطراف الثلاثة، ومدى قدرة الاتفاق على الصمود وتحقيق أهدافه المعلنة.
إخفاقات سابقة وحرب عطلت المسار التفاوضي
ويأتي هذا التحرك بعد أشهر من تعثر الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حل النزاع النووي المستمر بين إيران والولايات المتحدة، إذ فشلت جولة محادثات عقدت في جنيف خلال فبراير الماضي في تحقيق اختراق ملموس رغم المؤشرات الإيجابية التي تحدثت عنها سلطنة عمان، التي لعبت دور الوسيط بين الجانبين.
وكان من المقرر أن تستضيف فيينا محادثات فنية بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية والأطراف المعنية خلال الأسبوع التالي لتلك الجولة، إلا أن التطورات العسكرية المتسارعة قلبت المشهد بالكامل، فبعد أقل من 48 ساعة، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات ضد أهداف داخل إيران، الأمر الذي أدى إلى اندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق وأعاد المنطقة إلى دائرة التصعيد، ما تسبب في تجميد المسار التفاوضي وتعليق الجهود الفنية التي كانت قيد الإعداد.
غروسي يدعو إلى استثمار الفرصة الجديدة
ورغم الإخفاقات السابقة والتوترات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، شدد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية على ضرورة عدم الاستسلام للتشاؤم أو فقدان الأمل في إمكانية تحقيق تقدم حقيقي.
وأكد أن التجارب السابقة، مهما كانت صعبة، لا ينبغي أن تمنع الأطراف من استغلال الفرصة الحالية، معتبراً أن الاتفاق المؤقت يفتح نافذة جديدة يمكن البناء عليها للوصول إلى تفاهمات أكثر استقراراً واستدامة.
وأشار إلى أن نجاح المرحلة المقبلة سيعتمد على مدى التزام جميع الأطراف بالتعاون الفني والشفافية، وهو ما قد يسهم في تخفيف حدة التوترات الإقليمية وإعادة الملف النووي الإيراني إلى مسار المفاوضات والدبلوماسية بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة.




