يشهد المسار السياسي في العراق، مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تزايد الضغوط الدستورية، لحسم الرئاسات الثلاث، في وقت لا تزال فيه التفاهمات السياسية أسيرة الخلافات الداخلية والتوازنات الإقليمية المتغيرة، ولم يفلح «الإطار التنسيقي» في حسم مرشحه لرئاسة الحكومة، إلى جانب استمرار التجاذبات السنية والكردية حول رئاستي البرلمان والجمهورية.
ما يحدث في العراق يعكس حالة الصراع على المناصب، ايضا يكشف عن أزمة أعمق في طبيعة النظام التوافقي الذي يحكم البلاد منذ 2003، حيث تتقدم الحسابات الحزبية والاشتراطات الخارجية على منطق الكفاءة والبرنامج الحكومي، وفي ظل تراجع نفوذ قوى إقليمية وصعود تأثيرات دولية جديدة، بات تشكيل الحكومة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة القوى السياسية العراقية على التكيف مع التحولات.
معالجة مشاركة الفصائل المسلحة
وحسب مجلس القضاء العراقي، يتعين أولاً انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه خلال مدة 15 يوماً من تاريخ مصادقة المحكمة الاتحادية التي جرت في 14 ديسمبر 2025. ويتعين أيضاً على القوى السياسية انتخاب رئيس للجمهورية خلال مدة 30 يوماً من تاريخ أول جلسة للبرلمان، وتكليف رئيس للوزراء خلال مدة 15 يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.
قادة التحالف الشيعي يعجزون حتى الساعة عن اختيار مرشح نهائي لمنصب رئيس الحكومة، لكنهم وحين يتوافقون على اسم نهائي عليهم الإجماع على برنامج يعالج مسألة مشاركة الفصائل المسلحة التي فازت أجنحتها السياسية بمقاعد في البرلمان الجديد، حسب مصادر مطلعة أدلت بتصريحات للشرق الأوسط.
الاثنين الماضي، دعا «الإطار التنسيقي» إلى عقد جلسة البرلمان وانتخاب رئيسه، بعد إخفاقه بتشكيل الحكومة، حيث أكد استمرار الحوارات والنقاشات بين جميع الأطراف السياسية بشأنها. وقالت الدائرة الإعلامية للتحالف، في بيان صحافي، إن «الإطار التنسيقي ناقش الاستحقاقات الوطنية المتعلقة بالمرحلة المقبلة، وبحث مسارات تشكيل الحكومة وفق الأطر الدستورية».
التوزيع الاسترضائي للسلطة
بحسب البيان، دعا الإطار التنسيقي، إلى «عقد جلسة مجلس النواب في أقرب وقت ممكن، والمضي بانتخاب هيئة رئاسة المجلس»، مؤكداً في الوقت ذاته على «أهمية استمرار الحوارات والنقاشات بين جميع الأطراف السياسية لحسم ملف تشكيل الحكومة وبقية الاستحقاقات الوطنية بروح المسؤولية والتفاهم».
وكشف ائتلاف «النصر» بزعامة حيدر العبادي، عن موعد تسمية رئيس الوزراء المقبل من قبل الإطار التنسيقي. وقال المتحدث باسم الائتلاف، عقيل الرديني، إن «اجتماع الإطار التنسيقي، لن يحسم تسمية رئيس الوزراء المقبل، إلا أن (الإطار) سيحسم هذا الملف بشكل نهائي خلال أسبوعين حداً أقصى»، وفق وكالة «شفق نيوز».
وفي هذا السياق، يقول الدكتور صلاح العرباوي السياسي العراقي، إن «الساحة السياسية العراقية تشهد حراكاً قوياً بعد كل انتخابات عامة، زعامات تذهب وأخرى تجيء، البورصة السياسية والمالية للمواقع السيادية تقفز إلى أعلى مستوياتها، مزاد النواب والانتقالات (من وإلى) بين الكتل السياسية ينشط بشكل كبير، قاآني وسافايا يدخلان على الخط أيضاً». حسب الشرق الأوسط.,
ويضيف العرباوي أن «الديمقراطية في الدولة توافقية؛ ولذلك فالكل يحتاج إلى الكل، تُنسج التحالفات على أساس المصالح الحزبية بالدرجة الأولى، وتتم عملية التوزيع الاسترضائي للسلطة بين الأحزاب الفائزة». ويرى أنه «من الناحية الواقعية لا توجد لدينا أزمة شخصيات أو حتى أزمة برامج حكومية ومناهج وزارية، الأزمة الحقيقية تكمن في الاشتراطات التي تضعها القوى الحاكمة لشغل المواقع الأولى في الدولة، فهم لا يريدون رؤساء أقوياء، إنما يبحثون عن شخصيات ضعيفة يمكن التحكّم بها».
الأزمة داخل الكتل السياسية
من جهته، قال الدكتور غالب الدعمي، أستاذ الإعلام، لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة داخل الكتل السياسية هي أزمة برامج وأزمة اختيار رئيس وزراء ورئيس جمهورية، لكن من الواضح أن المشكلات الخاصة باختيار رئيس الجمهورية داخل كردستان ربما هي أقوى من المشكلات الخاصة باختيار رئيس الوزراء شيعياً».
ويضيف الدعمي أن «الصراع على تشكيل حكومة كردستان يمكن أن ينسحب على اختيار رئيس الجمهورية المختلف عليه بين الحزبين، علما بأن انتخاب رئيس الجمهورية يحتاج إلى ثلثي أعضاء البرلمان وليس النصف زائد واحد، مثلما هو انتخاب رئيس الوزراء؛ ولذلك نحن حيال أزمة رئاسات، لا رئاسة واحدة هذه المرة».
وفي السياق ذاته، أكد الباحث في الشؤون السياسية والأمنية نجم القصاب، أن أي كتلة سياسية فائزة بالانتخابات لا تمتلك صلاحية حسم المناصب بشكل منفرد. حسب سكاي نيوز عربية. وأوضح أن الشخصيات التي تمثل الكتل الفائزة – الشيعية بقيادة محمد السوداني، والسنية بقيادة الحلبوسي، والكردية بقيادة البرزاني – لا يمكنها تولي المناصب أو اقتراح أسماء دون توافق سياسي شامل. وأضاف أن هذا الواقع يُستغل أحياناً لاستغفال الناخب العراقي، الذي قد يشعر بأن خياراته الانتخابية لم تنعكس على الواقع السياسي.
التحول من شعارات المقاومة إلى العملية السياسية
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد اختلافاً في طبيعة التدخل الخارجي مقارنة بالفترات السابقة، إذ تراجع النفوذ الإيراني بشكل ملحوظ، بينما تقدم النفوذ الأميركي الغربي، مما يجعل الحسم النهائي للمنصب مرتبطاً بالتوافق مع القوى الخارجية، لا فقط بالكتل المحلية.
ووفقا لـ سكاي نيوز عربية، لفت القصاب إلى أن أغلب الفصائل التي كانت ترفع شعار المقاومة سابقاً أصبحت جزءاً من العملية السياسية، فيما تقلص دور الفصائل الأخرى التي لا تمتلك سنداً سياسياً أو اقتصادياً. وأضاف أن التغيرات الإقليمية، بما في ذلك في سوريا ولبنان وفلسطين واليمن، أثرت على قدرة إيران على ممارسة نفوذها التقليدي، مؤكداً أن طهران تحاول الموازنة بين التفاوض مع الأميركيين والحفاظ على مصالحها في العراق.
وشدد على أن المعادلة المقبلة تختلف عن السابق، بحيث ينبغي أن يكون رئيس الوزراء قريباً من الولايات المتحدة دون أن يكون معادياً لإيران، مع مراعاة حماية مصالح القوى السياسية المحلية. وأكد أن العراق يواجه أزمات مالية وسيولة كبيرة، وأن قدرة الحكومة المقبلة على تجاوز هذه التحديات مرتبطة بدعم القوى الغربية، الولايات المتحدة، ودول الخليج، وبعض الدول الإقليمية.
ووأشار الباحث إلى استمرار المفاوضات حول أسماء رئيس الوزراء المحتملة، حيث لا تزال شخصيات مثل محمد السوداني وطارق العبادي وحميد الشطري مطروحة. وأوضح أن جميع القوى السياسية تسعى لضمان السيطرة على الوزارات السيادية مثل النفط والخارجية والمالية، محذراً من أي اعتقاد بأن المناصب قد حُسمت بالفعل.






