لا يبدو الجدل الدائر في بولندا حول تعديل قانون نظام الأمن السيبراني الوطني نقاشاً تقنياً معزولاً عن السياسة، ولا شأناً إدارياً يخص قطاع الاتصالات فحسب. فالقانون الذي ينتظر توقيع الرئيس كارول ناووركي تحوّل، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، إلى اختبار حقيقي لقدرة وارسو على إدارة موقعها بين حليف استراتيجي ضاغط في الغرب، وشريك اقتصادي صاعد في الشرق.
فبحسب ما نقلته قناة TVP World، تعتزم الحكومة البولندية مراجعة التعديلات التي أُدخلت على القانون، على وقع ضغوط متزايدة من الولايات المتحدة لمنع شركات التكنولوجيا الصينية، وفي مقدمتها «هواوي» و«زد تي إي»، من المشاركة في مشاريع البنية التحتية الرقمية الحيوية.
التشريع المطروح يُعد من أهم مشاريع القوانين في الدورة البرلمانية الحالية، ليس فقط بسبب حساسية القطاع الذي ينظمه، بل بسبب اتساع نطاقه غير المسبوق. إذ لا يقتصر على شبكات الاتصالات، بل يمتد ليشمل إدارة أنظمة تكنولوجيا المعلومات، وخدمات الصرف الصحي، وتوزيع المواد الغذائية، والخدمات البريدية، وإنتاج المواد الكيميائية. وهو ما يعني، عملياً، أن القانون يطال مفاصل أساسية من الحياة الاقتصادية والخدمية في البلاد.
في السياق البولندي، لا يُقرأ هذا التوسّع بوصفه إجراءً احترازياً عادياً، بل باعتباره محاولة لإعادة تعريف مفهوم «الأمن القومي» في عصر تتحول فيه الهجمات الرقمية إلى خطر موازٍ – وربما سابق – للخطر العسكري التقليدي.
وتعزّز هذا التوجه تصريحات نائب وزير الشؤون الرقمية، داريوس ستاندرسكي، الذي كشف أن بولندا سجّلت خلال عام 2025 أكثر من 272 ألف حادثة سيبرانية، أي أكثر من ضعف العدد المسجّل في العام السابق. رقم يعكس، من وجهة نظر الحكومة، هشاشة البنية الرقمية الوطنية أمام هجمات متزايدة، ويُستخدم لتبرير تشديد القيود على الجهات التي تشارك في بناء هذه البنية.
غير أن جوهر الجدل لا يكمن في توسيع نطاق الحماية، بل في الآلية التي يتيحها القانون للسلطات، والمتمثلة في تصنيف شركات تكنولوجيا على أنها «موردون ذوو مخاطر عالية»، بما يؤدي عملياً إلى إقصائهم من المناقصات العامة.
هذا البند، على وجه التحديد، فتح الباب واسعاً أمام قراءة سياسية للتشريع، إذ يرى خبراء أن تطبيقه سيؤدي فعلياً إلى استبعاد شركات صينية كبرى، وعلى رأسها «هواوي» و«زد تي إي»، من مشاريع البنية التحتية الرقمية في بولندا.
في الظاهر، يقدم القانون نفسه باعتباره أداة لحماية الشبكات الوطنية. لكن في العمق، لا يمكن فصل مضمونه عن سياق دولي أوسع، تقوده الولايات المتحدة منذ سنوات لإبعاد الشركات الصينية عن شبكات الاتصالات والبنى التحتية الرقمية في الدول الحليفة.
وبحسب مصادر حكومية نقلتها وسائل إعلام بولندية، فإن المسؤولين الأمريكيين يثيرون هذا الملف بشكل شبه دائم في لقاءاتهم مع نظرائهم في وارسو، إلى درجة أن معظم الاجتماعات الأخيرة تضمنت أسئلة مباشرة حول مستقبل قانون الأمن السيبراني. وتندرج هذه الضغوط في سياق سياسة أمريكية معلنة، سبق أن تُرجمت داخلياً بحظر معدات «هواوي» و«زد تي إي» من الشبكات الفيدرالية، وتمويل عمليات إزالة المعدات الصينية من شبكات الاتصالات الأمريكية.
في المقابل، لا تمارس بكين ضغطها بالطريقة نفسها. فالصين، التي تدرك حساسية الخطاب السيادي في أوروبا الوسطى، تلجأ إلى أدوات أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل فاعلية. إذ تشير تقارير إعلامية إلى أن مسؤولين صينيين ربطوا، بصورة غير معلنة، استئناف استيراد الدواجن البولندية بقرار الرئيس البولندي بشأن هذا القانون.
وبحسب مصدر حكومي نقل عنه موقع Wirtualna Polska، كانت وزارة الزراعة البولندية تعتزم إرسال أول شحنة من الدواجن إلى الصين في ديسمبر الماضي، غير أن ذلك لم يحدث، ولن يحدث في المرحلة الحالية، بعدما أوضح الجانب الصيني أن هذا الملف بات مرتبطاً بالسياق السياسي الأوسع.
في هذا المشهد، لا يجد الرئيس كارول ناووركي نفسه أمام خيار تشريعي داخلي فحسب، بل أمام معادلة استراتيجية معقدة. فمن جهة، تمثل الولايات المتحدة الضامن الأمني الأول لبولندا، ولا سيما في ظل الحرب في أوكرانيا واستمرار التوتر مع روسيا. ومن جهة أخرى، تمثل الصين شريكاً اقتصادياً مهماً وسوقاً واعدة للصادرات البولندية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأوروبي تباطؤاً واضحاً.
القرار، إذاً، يتجاوز حدود شركات بعينها أو عقود محددة. إنه قرار يتعلق بموقع بولندا في خريطة الصراع العالمي على التكنولوجيا، وبحدود استقلالها في صياغة سياساتها السيادية في مجال بات يشكل العمود الفقري للاقتصاد والأمن في آن واحد.
ومع ذلك، لا يبدو أن وارسو ترغب في الظهور كطرف ينفذ إملاءات جاهزة. فإعلان مراجعة التعديلات على القانون يعكس محاولة لاحتواء الجدل الداخلي، وفتح نقاش أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن الوطني، وضرورات الانفتاح الاقتصادي، والحفاظ على تعددية الشركاء.
في عالم تتداخل فيه شبكات الاتصال مع مفاهيم النفوذ الجيوسياسي، وتتحول فيه الخوادم والكابلات إلى أدوات قوة، تبدو بولندا اليوم أمام امتحان دقيق: كيف تحمي فضاءها الرقمي من دون أن تحوّل تشريعاتها إلى مرآة مباشرة لصراعات الآخرين؟
قد يكون من الصعب على دولة متوسطة الحجم أن تقف على مسافة واحدة من القوى الكبرى. لكن التحدي الحقيقي، بالنسبة إلى وارسو، هو أن تجعل من قانون الأمن السيبراني تعبيراً عن رؤية وطنية مستقلة بقدر الإمكان، لا مجرد استجابة لضغط آتٍ من هذا المعسكر أو ذاك.



