في غزة، لا تتوقف الحرب فعليًا حتى وإن خفتت أصوات القصف. فالحياة اليومية في القطاع تحولت إلى ساحة أخرى للصراع، عنوانها هذه المرة “الإغاثة والحوكمة”. فبعد أشهر من الهدوء النسبي، عادت الملفات الإنسانية لتكشف عمق الأزمة في إدارة الواقع، بين احتلال يفرض حصارًا محكمًا، وسلطة أمر واقع تحاول الموازنة بين خطاب المقاومة ومتطلبات الحكم.
هذا الأسبوع، تجدد الجدل حول توزيع المساعدات الإنسانية بعد اتهامات وُجهت إلى عناصر من حركة حماس بالتدخل في سير القوافل الإغاثية. الحركة من جهتها نفت تلك المزاعم ووصفتها بأنها “ادعاءات تهدف لتبرير تقليص المساعدات الدولية”، معتبرة أن الاتهامات تأتي في سياق الضغط السياسي على غزة لا أكثر.
لكن، بعيدًا عن صحة الروايات، يبرز سؤال أعمق يتعلق بطريقة إدارة هذا الملف الحساس. فالحركة التي تشتكي من تسييس المساعدات تجد نفسها أحيانًا في موقع من يكرس هذا التسييس، حين يتحول كل انتقاد إلى مواجهة إعلامية، فيما يظل المواطن هو الطرف الغائب عن كل نقاش.
لا شك أن القيود الإسرائيلية المفروضة على المعابر أسهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية، غير أن حماس تتحمل بدورها جزءًا من المسؤولية الإدارية داخل القطاع. فغياب آليات رقابة فعّالة على توزيع المساعدات، وضعف التنسيق مع المؤسسات المدنية، وترك المجال أمام مجموعات غير منضبطة للتصرف في القوافل، كلها عوامل أضعفت الثقة الشعبية بالحركة ومؤسساتها الخدمية.
وبذلك، لم تعد المشكلة في الاتهامات الخارجية، بل في الفجوة المتزايدة بين الخطاب السياسي الذي يعلن الدفاع عن الناس، والواقع الميداني الذي يعكس ارتباكًا في إدارة شؤونهم اليومية.
وفي سياق موازٍ، برز مؤخرًا ملف استعادة جثث الرهائن الذين قضوا في العمليات العسكرية داخل غزة، وهو ملف يحمل أبعادًا سياسية وإنسانية متشابكة. فبينما تؤكد حماس أن عملية استخراج الجثث تتطلب وقتًا بسبب الدمار الواسع، تتهمها أطراف أخرى بالمماطلة في تنفيذ بنود الاتفاق المتعلق بتسليم الرفات.
وبغضّ النظر عن تبادل الاتهامات، فإن طريقة تعامل الحركة مع هذا الملف أظهرت مجددًا تناقضًا بين منطق المقاومة ومنطق الحكم. فالإصرار على إدارة القضايا الإنسانية بعقلية عسكرية يضعف صورة الحركة أمام جمهورها أولًا، ويُفقدها القدرة على فرض معادلة سياسية متماسكة ثانيًا.
الحركة التي حازت شرعيتها من موقعها في الصمود والمقاومة تواجه اليوم اختبارًا مختلفًا، يتمثل في كفاءتها كسلطة تدير شؤون أكثر من مليوني إنسان تحت الحصار. فشرعية المقاومة لا تعفي من مساءلة الأداء، والبطولة لا يمكن أن تكون بديلًا عن الكفاءة.
فالمواطن الغزي الذي واجه القصف والدمار ينتظر إدارة قادرة على تحسين معيشته، لا مجرد بيانات نفي وردود على اتهامات. وما لم تُترجم الشعارات إلى مؤسسات قادرة على العمل بشفافية وانضباط، ستظل الحركة متهمة — لا من خصومها، بل من جمهورها الذي بدأ يفقد ثقته بقدرتها على الفصل بين الميدان والحياة.
الاحتلال بلا شك يتحمل المسؤولية الأكبر في حصار القطاع وتجويع سكانه، لكن سوء إدارة الداخل يزيد من قسوة الواقع. فحين تُدار المساعدات بعقلية المواجهة، وتُربط الملفات الإنسانية بالمساومات السياسية، يفقد العمل الوطني معناه، وتُختزل المقاومة في إدارة أزمة لا في مشروع تحرير.
المرحلة المقبلة قد تكون فرصة لحماس لإعادة تعريف دورها: لا كقوة تواجه فقط، بل كإدارة مسؤولة عن مجتمعٍ يعيش تحت ضغطٍ غير مسبوق.
فالمقاومة الحقيقية تبدأ من حماية الإنسان، لا من تحويله إلى رهينة في معادلات السياسة.







