Subscribe
الشرق الأوسط بوست
No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • عالم
  • منوعات
  • ملفات فلسطينية
  • شرق أوسط
  • أفكار وآراء
  • إتصل بنا
  • الرئيسية
  • عالم
  • منوعات
  • ملفات فلسطينية
  • شرق أوسط
  • أفكار وآراء
  • إتصل بنا
No Result
View All Result
الشرق الأوسط بوست
No Result
View All Result
الرئيسية عالم

بين الشرعية والعجز: إلى أين يتجه حكم قيس سعيّد؟

فريق التحرير فريق التحرير
10 نوفمبر، 2025
عالم
0
بين الشرعية والعجز: إلى أين يتجه حكم قيس سعيّد؟

صورة تعبيرية معدّلة للرئيس قيس سعيّد ترمز إلى عسكرة السلطة في تونس

314
شارك
2.4k
مشاهدات
Share on FacebookShare on Twitter

لم يعد صمت الموالين كافياً لحماية الصورة التي رسمها قيس سعيّد لنفسه كرئيس “منقذٍ من الفساد” و”حارسٍ لإرادة الشعب”. فالتصدعات التي كانت تُهمس في الغرف المغلقة بدأت اليوم تتسلّل إلى قاعة البرلمان، حيث ارتفعت أصواتٌ لم يكن يُتوقّع أن تخرج من صفوف مناصريه. المشهد بدا مفاجئاً للتونسيين: نوابٌ كانوا حتى الأمس القريب يتنافسون في تمجيد الرئيس، يتحدثون اليوم عن “حكومة عاجزة”، و”رئيسٍ منفصل عن الواقع”، وعن دولة “تُدار بخطابات لا بخطط”.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فخلف الأسوار الهادئة لقصر قرطاج، كانت الأرض السياسية تغلي ببطء. الاحتجاجات التي اندلعت في قابس لم تكن حادثاً اجتماعياً عابراً، بل لحظة رمزية كشفت هشاشة سردية “الرئيس القوي”. فالشعارات التي رفعها المحتجون لم تهاجم فقط غلاء الأسعار أو تدهور الخدمات، بل طالت جوهر السلطة نفسها، متهمةً إياها بالعجز والإنكار والتسلّط. لقد أدرك الشارع أن الخطاب الشعبوي الذي وُعد به منذ خمس سنوات لم يعد يمتلك القدرة على امتصاص الغضب، وأن “تطهير الدولة” تحول إلى شعار بلا مضمون، يردّده الرئيس في خطاباته كلما ضاقت به الخيارات.

داخل البرلمان، كانت الصدمة أوضح. بعض النواب الذين صعدوا على أكتاف الخطاب الشعبوي وجدوا أنفسهم اليوم أمام جمهورٍ ناقم يسألهم عن النتائج لا الوعود. فبدأت الأصوات المترددة تتحوّل إلى مواقف علنية: انتقادات لسياسات الحكومة، تشكيك في جدوى الاحتكار الرئاسي للقرار، وتلميحات إلى أن “الشرعية الثورية” لم تعد تبرّر الإخفاق الاقتصادي والسياسي. هذا التململ لا يعني بالضرورة بداية انهيار النظام، لكنه علامة على تحوّل المزاج العام من الولاء الأعمى إلى الشكّ العلني، ومن الخوف من نقد الرئيس إلى التجرؤ على مساءلته.

قد يهمك أيضا

حرائق إسبانيا جرس إنذار.. تغير المناخ يفرض واقعًا جديدًا على أوروبا

أزمة مضيق هرمز.. أوروبا تبحث عن تسوية وإيران تتمسك بشروطها

ما يجري اليوم هو بداية تآكل هادئ، لا يُرى من الخارج بسهولة، لكنه يتسلّل إلى مفاصل الدولة. فالسلطة التي كانت تحكم بثقة “التفويض الشعبي” بدأت تواجه أسئلة من داخل بيتها، وأسئلة أكثر خطورة من الشارع: أين ذهبت وعود الإصلاح؟ من يستفيد من بقاء الأزمة؟ ولماذا تبدو الدولة، بكل مؤسساتها، أسيرة رجلٍ واحد وصوته الواحد؟
قد لا يكون هذا التصدع مقدمةً لانهيار فوري، لكنه يشبه الشرخ الأول في جدارٍ كان يُظن أنه صلب — شرخٌ صغير، لكنه حين يتسع، لا يحتاج إلا إلى صرخة واحدة كي يتداعى كل البناء.

السلطة في يد رجل واحد

منذ 2019، حين تولّى قيس سعيّد الحكم، بدا واضحاً أن البلاد دخلت مرحلة تركّز السلطة في يد شخص واحد. الدستور الجديد الذي صاغه عام 2022 ألغى عملياً التوازن بين المؤسسات، وجعل من البرلمان هيئة شكلية بلا تأثير فعلي.
لكن الجديد اليوم أن دوائر كانت تُعتبر جزءاً من “المنظومة السعِيدية” بدأت تتململ. خالد اليحياوي، مدير الحرس الرئاسي، الذي يوصف بأنه الحاكم الفعلي في الظلّ، لا يزال حامياً للرئيس، لكن هذا الولاء يشبه كما وصف أحد النواب “الحبل الذي يدعم رجلاً مشنوقاً”.
الجيش، الذي كان أكثر مؤسسات الدولة انضباطاً، بات ينظر بعين القلق إلى الانزلاق الأمني، فيما أجهزة الاستخبارات تُستنزف في مراقبة الداخل أكثر من حماية الحدود. في الوقت ذاته، يعيش مجلس نواب الشعب حالة شلل تام، حيث تحوّل إلى مسرح للخطابات الغاضبة أكثر منه سلطة رقابية حقيقية.

تمرد من الداخل وصراع العائلة

ما يجري داخل مجلس النواب، بكل ضجيجه وصراعاته اللفظية، ليس سوى انعكاسٍ باهت لما يحدث في الطابق السفلي من السلطة، أي في كواليس قصر قرطاج، حيث تدور المعركة الحقيقية على الحكم والنفوذ. فبعيداً عن الأضواء، تتكشّف ملامح صراع عائلي مكتوم بين أجنحة تدّعي جميعها القرب من الرئيس قيس سعيّد، لكنها تتنازع فيما بينها على مفاصل القرار والولاء داخل القصر.

تسريبات صحف تونسية وفرنسية متقاطعة تحدثت عن انقسام داخل “عائلة قرطاج” نفسها: جناح شقيق الرئيس نوفل سعيد الذي يطمح إلى دورٍ سياسي مؤثر في إدارة الملفات الحساسة، مقابل جناح شقيقته عتقة شبيل التي يوصف نفوذها بالنافذ والمخيف في الوقت ذاته، حتى صار الشارع يلقّبها بـ“الطرابلسي الجديدة”، في استدعاء رمزي لذاكرة التونسيين مع نفوذ عائلة ليلى الطرابلسي في عهد بن علي.
هذه المقارنة ليست مجرّد نكتة شعبية، بل تعبير عن خوفٍ جماعي من تكرار نمط الحكم العائلي الذي أطاح بأنظمة كثيرة في المنطقة. فحين تتحول السلطة إلى ملكية غير معلنة، يصبح الولاء للأسرة بديلاً عن الولاء للمؤسسات، وتتحوّل الدولة إلى حقل نفوذ شخصي تُدار فيه القرارات عبر الصلات العائلية لا عبر القنوات الرسمية.

لكن الأهم من الصراع العائلي هو ما كشفه من تفكك في الدائرة المقربة من الرئيس نفسه. فالأسماء التي شكّلت يوماً عمود حملته ومشروعه السياسي — مثل وزير الداخلية السابق كمال الفقيه، أو المستشار البارز رضا المعروف بلقب “لينين” — تم تهميشها أو إقصاؤها في صمت. وتقول بعض التقارير إن إبعاد هؤلاء لم يكن بدافع الخلاف السياسي بقدر ما كان نتيجة لتنامي نفوذ الدائرة العائلية، التي باتت ترى في كل شخصية قوية تهديداً لهيمنتها.
هكذا يتكرّر النمط الذي عرفته أنظمة عربية عديدة: حين تضيق الدائرة حول الرئيس، وتُقصى العقول التي تختلف معه، يتحوّل الحكم إلى منظومة مغلقة، لا يُسمع فيها سوى صدى صوت واحد يردّد الشعارات نفسها.

هذا التآكل الداخلي في رأس السلطة يتوازى مع تململ متزايد في الأجهزة الأمنية والعسكرية. فالجيش، الذي حافظ طويلاً على صورته كمؤسسة وطنية محايدة، بات يشعر أنه أُقحم في لعبة سياسية ضيقة لا تشبه عقيدته ولا تاريخه. وأجهزة الأمن، التي تحوّلت إلى ذراع تنفيذية لملاحقة الخصوم السياسيين والصحافيين، بدأت هي الأخرى تدرك أن استنزافها في الصراعات الداخلية يضعفها أمام التحديات الحقيقية التي تهدّد البلاد.
إنها لحظة دقيقة يتقاطع فيها الانقسام العائلي مع التآكل المؤسسي، في مشهدٍ يجعل قصر قرطاج يبدو كمرآة مصغّرة لدولةٍ تنقسم على نفسها. فحين تصبح السلطة رهينة التوازنات العائلية والمصالح الشخصية، تبدأ الدولة بالتآكل من الداخل — لا بفعل معارضة خارجية، بل لأن النظام نفسه يبدأ في التهام أدواته كما تفعل النار بوقودها.

ولعلّ أخطر ما في هذا المشهد أن قصر قرطاج لم يعد مركز القرار فحسب، بل مركز الصراع ذاته. فكل ما يجري في البرلمان أو الحكومة ليس سوى صدًى متأخرٍ لصراعٍ أشدّ عمقاً وأقرب إلى قلب النظام. والأنظمة التي تبدأ بتناحر أبنائها داخل الأسوار، كما تقول التجارب التاريخية، لا تحتاج إلى أعداء خارجها كي تسقط — يكفيها أن تواصل الانقسام بنفس الإصرار الذي كانت تدافع به يوماً عن وحدتها.

اقتصاد ينهار ودولة تفقد الاتجاه

في خلفية المشهد السياسي المتأزم، تتكشّف المأساة الحقيقية التي تهدد بقاء الدولة التونسية: الاقتصاد الذي ينهار بصمتٍ أعمق من أي خطاب سياسي. فبينما تنشغل النخب في صراعاتها ومناوراتها، يتآكل ما تبقّى من البنية الاقتصادية التي كانت يوماً مفخرة التجربة التونسية.
البلاد التي قُدّمت قبل عقدٍ من الزمن كنموذجٍ عربي نادر للانتقال الديمقراطي، أصبحت اليوم مرادفاً للعجز المالي والانكماش الاجتماعي. الدين العام تجاوز مستويات غير مسبوقة، والميزانية تعتمد على الاقتراض لتغطية النفقات الجارية، فيما بات التفاوض مع صندوق النقد الدولي أشبه بالمساومة على السيادة الوطنية، إذ لا يمكن الحصول على التمويل دون قبول حزمة شروط قاسية تمسّ الدعم والأجور والوظائف العامة.

تجاوزت البطالة حاجز 16%، لكنها تتخطى 35% بين الشباب، في بلدٍ كان التعليم يوماً مفتاح الحراك الاجتماعي. التضخم، من جانبه، يلتهم الأجور المحدودة ويحوّل الطبقة الوسطى إلى شريحة مهددة بالزوال. والعملة الوطنية فقدت أكثر من ثلث قيمتها منذ عام 2021، ما جعل الأسعار ترتفع في الأسواق بوتيرةٍ لا يستطيع المواطن العادي مجاراتها. المواطن التونسي بات يكتشف أن خطاب “السيادة الوطنية” لا يملأ سلة الخبز، وأن الكرامة السياسية لا تُصرف في السوق.

في هذا المناخ المرهق، جاءت مداخلة النائبة ماجدة الورغي كصرخة سياسية تعبّر عن شعورٍ جماعي بالعجز. حين رفعت حقيبتها الممتلئة بملفات الفساد داخل البرلمان، لم تكن تقوم باستعراضٍ رمزي، بل كانت تعري واقع دولة تتحدث عن “تطهير النظام” بينما يزداد المتورطون فيه رسوخاً ونفوذاً. غياب رئيسة الحكومة عن الجلسة البرلمانية كان، في نظر الورغي، “دليل عجزٍ مؤسسيّ”، لكنه في الحقيقة يعكس ما هو أعمق: غياب القدرة على إدارة دولةٍ بلا رؤية اقتصادية ولا شرعية سياسية.

أما الشارع، فلم يعد ينخدع بخطاب “المؤامرات والخونة”. فالناس يدركون أن الأزمة لم تعد نتيجة “خصومٍ خارجيين” بل نتاج سياسات داخلية متخبطة، وأن العدو الحقيقي هو الفساد الممنهج والبيروقراطية العاجزة التي تخنق كل محاولة إصلاح.
في الأسواق والمقاهي وأروقة الإدارات، يتردد صدى السخرية الشعبية من خطابات الرئيس: “يتحدث عن المتآمرين، بينما العائلات تبحث عن لتر زيتٍ أو كيس دقيق”. إنها المرآة القاسية التي تعكس واقع بلدٍ خرج من الثورة باسم العدالة الاجتماعية، ليجد نفسه اليوم غارقاً في دوامة الغلاء والركود واليأس.

العزلة السياسية وانكشاف الصورة

خارجياً، لم تعد تونس تُنظر إليها بوصفها استثناءً ديمقراطياً في العالم العربي، بل حالة قلقة تتأرجح بين الانغلاق السياسي والانكشاف الجيوسياسي. الغرب الذي تغنّى طويلاً بـ”النموذج التونسي” بدأ يفقد صبره. فالولايات المتحدة، التي رأت في تونس يوماً “قصة النجاح الوحيدة” للربيع العربي، أصبحت تتحدث بلغة التحذير لا الإعجاب. واشنطن تراقب بقلق تصاعد القمع، وتلوّح بتقليص المساعدات وتجميد التعاون الأمني، بعدما باتت الاعتقالات بحق الصحافيين والمعارضين عنوان المرحلة الجديدة.

غير أن التردّد الأميركي لا ينفصل عن حسابات أكبر. فالإدارة الأميركية تدرك أن الضغط الزائد قد يدفع تونس إلى أحضان محاور أخرى — إيرانية أو روسية — خاصة في ظل انفتاح طهران على شمال إفريقيا، وسعي موسكو لتعويض خسائر نفوذها في الساحل وغرب إفريقيا. لهذا تتعامل واشنطن مع الملف التونسي ببراغماتية حذرة: تُدين الانتهاكات، لكنها لا تقطع الجسور.

في المقابل، يعيش الاتحاد الأوروبي حالة ارتباك مزمنة. فبروكسل تجد نفسها بين مطرقة المبادئ وسندان المهاجرين. الاتحاد لا يريد انهيار تونس، لأنها تمثّل حاجزاً بشرياً على ضفة المتوسط يمنع موجات اللجوء نحو الشمال، لكنه في الوقت نفسه لم يعد قادراً على الدفاع عن سياسات قمعية علناً. لذلك جاء موقفه متردداً: بيانات إدانة رمزية، ومساعدات مالية مشروطة، ومحادثات خلف الكواليس لتأمين “الاستقرار بأي ثمن”.

وسط هذه التوازنات الهشّة، يظلّ الجيش التونسي الورقة الوحيدة التي تحظى بإجماع خارجي نسبي. فالمؤسسة العسكرية، التي حافظت تقليدياً على مسافة من السياسة، باتت تُعامل غربياً كضامن أخير لبقاء الدولة في حدودها الحالية ومنع انزلاقها نحو الفوضى. واشنطن وباريس، كما كشفت تقارير Reuters وLe Monde، تعتبران الجيش “الصمّام الذي يفصل تونس عن سيناريوهات ليبيا أو السودان”.

لكن هذه الثقة الغربية بالجيش لا تُخفي الحقيقة الأعمق: أن تونس فقدت مكانتها الرمزية كمختبرٍ للديمقراطية العربية، وتحولت في نظر العواصم الكبرى إلى ملف أمني أكثر منه سياسي. في الكواليس، تُناقش تونس اليوم لا بوصفها شريكاً إصلاحياً، بل كدولة يجب “احتواؤها” حتى لا تنزلق نحو محورٍ معادٍ. وهكذا يتقلّص الهامش التونسي بين ضغوط الخارج وارتباك الداخل، في مشهدٍ يُشبه تماماً حال البلاد نفسها: دولة تبحث عن توازنٍ مفقود، وسط عالمٍ يتغيّر أسرع من قدرتها على الفهم أو المواكبة.

هل يكرّر قيس سعيّد تجربة بينوشيه بطابعٍ تونسي؟

منذ لحظة إعلان قيس سعيّد تجميد البرلمان في صيف 2021، بدأ كثير من المراقبين يطرحون سؤالاً مقلقاً: هل تشهد تونس تكراراً ناعماً لما فعله أوغوستو بينوشيه في تشيلي قبل نصف قرن؟ فالمشهد يبدو مألوفاً إلى حدٍّ ما — رئيس يعلن “تصحيح المسار”، يعلّق عمل المؤسسات المنتخبة، ويعدّ بأن “ينقذ الدولة من الخونة والفساد”، بينما يزداد تركيز السلطة في يده يوماً بعد يوم.

لكن المقارنة، وإن كانت مغرية، تظلّ أكثر رمزية من كونها حرفية. فبينوشيه كان جنرالاً في الجيش، صعد إلى الحكم على ظهر الدبابات عام 1973، وأقام نظاماً عسكرياً قمعياً دام سبعة عشر عاماً. أما قيس سعيّد، فكان أستاذاً في القانون الدستوري، اختار أن يطيح خصومه عبر النصوص والمرسومات لا عبر الانقلابات، فاستبدل الزي العسكري بالشرعية القانونية. إنه نموذج مختلف من السلطوية — سلطوية قانونية الطابع، شعبوية الخطاب، تتدثّر بشعارات الدستور في الوقت الذي تفرّغه من مضمونه.

كلا الرجلين، مع ذلك، يلتقيان عند نقطة واحدة: استخدام فكرة “الإنقاذ الوطني” كذريعة لبناء سلطة فردية. بينوشيه تحدث عن إنقاذ تشيلي من الشيوعية، وسعيّد يتحدث عن إنقاذ تونس من “الفساد والمؤامرات”. في الحالتين، يتحوّل “الخطر الخارجي” إلى مبرّرٍ داخلي لإسكات المعارضة، وتصبح الدولة رهينة شخصٍ يرى نفسه وصيّاً على الشعب لا ممثلاً له.

ومع ذلك، يظلّ السياق التونسي أكثر هشاشة وأقل دموية. فالنظام في قرطاج لم يتحوّل بعد إلى آلة قمعية شاملة، ولا يملك الغطاء الدولي الذي مكّن بينوشيه من الصمود في وجه الإدانات لعقود. بل إن سعيّد، بعكس الجنرال التشيلي، يواجه عزلة متزايدة، ورفضاً من الغرب الذي كان يوماً يحتفي بتونس كـ“قصة نجاح الربيع العربي”.

نظام يترنّح أم مرحلة انتقالية نحو المجهول؟

السؤال الذي يطرحه التونسيون اليوم لم يعد يخص تفاصيل السياسة اليومية، بل معنى استمرار النظام نفسه: إلى أين تمضي البلاد؟ وإلى متى يمكن أن يستمر هذا المسار من الانغلاق دون انفجار؟ السؤال الذي صاغه النائب أحمد السعيداني — “إلى متى سيستمر هذا الجنون؟” — تحوّل من جملة احتجاجية إلى عنوان لحالة وطنية، تلخّص ضياع البوصلة في دولة تتآكل مؤسساتها من الداخل، وتتراجع شرعيتها أمام شعبٍ أنهكته الأزمات المتلاحقة.

النظام التونسي يعيش اليوم مفارقة مألوفة في تاريخ الأنظمة التي فقدت مبرر وجودها: فهو ليس ديمقراطياً بما يكفي ليقنع الداخل، ولا استبدادياً بما يكفي ليفرض الانضباط. إنه كيان يتغذّى على الغموض، يدور في حلقة مفرغة بين خطاب “الإصلاح الثوري” وممارسة “الحكم الفردي”، بين الحديث عن مؤامرات داخلية وشعارات وطنية فارغة. ومع مرور الوقت، تتآكل فعالية أدوات السيطرة نفسها: فالأمن بات مرهقاً، والمؤسسات مشلولة، والولاء لا يُشترى إلا مؤقتاً.

في مثل هذه اللحظات، لا تحتاج الأنظمة إلى ثورات لتسقط؛ يكفي أن يصمت الموالون. فالتاريخ يُظهر أن الانهيار غالباً يبدأ من داخل القصر، حين يتحوّل الخوف إلى لامبالاة، والولاء إلى انتظار. الصمت في تونس اليوم لم يعد حياداً، بل صورة جديدة للرفض. إنّه التعبير الأخير عن مجتمعٍ تعب من المراقبة والتخويف، لكنه لا يزال يتذكر كيف يكون صوت الحرية.

ربما يستطيع قيس سعيّد أن يشتري بعض الوقت عبر القمع أو المناورات، لكنه لا يستطيع أن يشتري المستقبل. فالتاريخ — كما تُظهر تجارب مصر والجزائر والسودان من قبل — لا يمنح شرعية لمن يحكم بالخوف بعد أن عرف الناس طعم الكلام.
إن الوقت الذي يظنّه الرئيس في صفّه، بدأ يتحوّل ضده، والبلد الذي وعده “بتصحيح المسار” بات يسير بثبات نحو نقطة اللاعودة: حيث لا الإصلاح ممكن، ولا القمع كافٍ، وحيث يبدأ النظام في الانهيار بصوتٍ خافت… يشبه تماماً الصمت الذي يخيّم الآن على تونس.

محتوى ذو صلة Posts

حرائق إسبانيا جرس إنذار.. تغير المناخ يفرض واقعًا جديدًا على أوروبا
عالم

حرائق إسبانيا جرس إنذار.. تغير المناخ يفرض واقعًا جديدًا على أوروبا

11 يوليو، 2026
أزمة مضيق هرمز.. أوروبا تبحث عن تسوية وإيران تتمسك بشروطها
عالم

أزمة مضيق هرمز.. أوروبا تبحث عن تسوية وإيران تتمسك بشروطها

11 يوليو، 2026
الساحل الإفريقي أمام اختبار جديد.. مالي تكسر الحصار والصراع يتواصل
عالم

الساحل الإفريقي أمام اختبار جديد.. مالي تكسر الحصار والصراع يتواصل

11 يوليو، 2026
كوريا الشمالية تهاجم الناتو.. هل يبدأ فصل جديد من سباق التسلح؟
عالم

كوريا الشمالية تهاجم الناتو.. هل يبدأ فصل جديد من سباق التسلح؟

11 يوليو، 2026
زلزال فنزويلا: حصيلة الضحايا تتجاوز 4 آلاف قتيل وسط تضاؤل فرص العثور على ناجين
عالم

زلزال فنزويلا: حصيلة الضحايا تتجاوز 4 آلاف قتيل وسط تضاؤل فرص العثور على ناجين

11 يوليو، 2026
روسيا تحذر : كل ضربة توسع الحرب ولا تقرب السلام
عالم

روسيا تحذر : كل ضربة توسع الحرب ولا تقرب السلام

10 يوليو، 2026
الشرق الأوسط بوست

تابع آخر أخبار الشرق الأوسط والعالم لحظة بلحظة عبر الشرق الأوسط بوست. تغطية إخبارية شاملة، تحليلات سياسية، اقتصاد، تكنولوجيا، رياضة وتقارير حصرية من مصادر موثوقة.

  • الرئيسية
  • عالم
  • منوعات
  • ملفات فلسطينية
  • شرق أوسط
  • أفكار وآراء
  • إتصل بنا

تابعنا

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In
No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • عالم
  • منوعات
  • ملفات فلسطينية
  • شرق أوسط
  • أفكار وآراء
  • إتصل بنا

Not enough quota to unlock this post
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
We use cookies to ensure that we give you the best experience on our website. If you continue to use this site we will assume that you are happy with it.