لم يعد صمت الموالين كافياً لحماية الصورة التي رسمها قيس سعيّد لنفسه كرئيس “منقذٍ من الفساد” و”حارسٍ لإرادة الشعب”. فالتصدعات التي كانت تُهمس في الغرف المغلقة بدأت اليوم تتسلّل إلى قاعة البرلمان، حيث ارتفعت أصواتٌ لم يكن يُتوقّع أن تخرج من صفوف مناصريه. المشهد بدا مفاجئاً للتونسيين: نوابٌ كانوا حتى الأمس القريب يتنافسون في تمجيد الرئيس، يتحدثون اليوم عن “حكومة عاجزة”، و”رئيسٍ منفصل عن الواقع”، وعن دولة “تُدار بخطابات لا بخطط”.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فخلف الأسوار الهادئة لقصر قرطاج، كانت الأرض السياسية تغلي ببطء. الاحتجاجات التي اندلعت في قابس لم تكن حادثاً اجتماعياً عابراً، بل لحظة رمزية كشفت هشاشة سردية “الرئيس القوي”. فالشعارات التي رفعها المحتجون لم تهاجم فقط غلاء الأسعار أو تدهور الخدمات، بل طالت جوهر السلطة نفسها، متهمةً إياها بالعجز والإنكار والتسلّط. لقد أدرك الشارع أن الخطاب الشعبوي الذي وُعد به منذ خمس سنوات لم يعد يمتلك القدرة على امتصاص الغضب، وأن “تطهير الدولة” تحول إلى شعار بلا مضمون، يردّده الرئيس في خطاباته كلما ضاقت به الخيارات.
داخل البرلمان، كانت الصدمة أوضح. بعض النواب الذين صعدوا على أكتاف الخطاب الشعبوي وجدوا أنفسهم اليوم أمام جمهورٍ ناقم يسألهم عن النتائج لا الوعود. فبدأت الأصوات المترددة تتحوّل إلى مواقف علنية: انتقادات لسياسات الحكومة، تشكيك في جدوى الاحتكار الرئاسي للقرار، وتلميحات إلى أن “الشرعية الثورية” لم تعد تبرّر الإخفاق الاقتصادي والسياسي. هذا التململ لا يعني بالضرورة بداية انهيار النظام، لكنه علامة على تحوّل المزاج العام من الولاء الأعمى إلى الشكّ العلني، ومن الخوف من نقد الرئيس إلى التجرؤ على مساءلته.
ما يجري اليوم هو بداية تآكل هادئ، لا يُرى من الخارج بسهولة، لكنه يتسلّل إلى مفاصل الدولة. فالسلطة التي كانت تحكم بثقة “التفويض الشعبي” بدأت تواجه أسئلة من داخل بيتها، وأسئلة أكثر خطورة من الشارع: أين ذهبت وعود الإصلاح؟ من يستفيد من بقاء الأزمة؟ ولماذا تبدو الدولة، بكل مؤسساتها، أسيرة رجلٍ واحد وصوته الواحد؟
قد لا يكون هذا التصدع مقدمةً لانهيار فوري، لكنه يشبه الشرخ الأول في جدارٍ كان يُظن أنه صلب — شرخٌ صغير، لكنه حين يتسع، لا يحتاج إلا إلى صرخة واحدة كي يتداعى كل البناء.
السلطة في يد رجل واحد
منذ 2019، حين تولّى قيس سعيّد الحكم، بدا واضحاً أن البلاد دخلت مرحلة تركّز السلطة في يد شخص واحد. الدستور الجديد الذي صاغه عام 2022 ألغى عملياً التوازن بين المؤسسات، وجعل من البرلمان هيئة شكلية بلا تأثير فعلي.
لكن الجديد اليوم أن دوائر كانت تُعتبر جزءاً من “المنظومة السعِيدية” بدأت تتململ. خالد اليحياوي، مدير الحرس الرئاسي، الذي يوصف بأنه الحاكم الفعلي في الظلّ، لا يزال حامياً للرئيس، لكن هذا الولاء يشبه كما وصف أحد النواب “الحبل الذي يدعم رجلاً مشنوقاً”.
الجيش، الذي كان أكثر مؤسسات الدولة انضباطاً، بات ينظر بعين القلق إلى الانزلاق الأمني، فيما أجهزة الاستخبارات تُستنزف في مراقبة الداخل أكثر من حماية الحدود. في الوقت ذاته، يعيش مجلس نواب الشعب حالة شلل تام، حيث تحوّل إلى مسرح للخطابات الغاضبة أكثر منه سلطة رقابية حقيقية.
تمرد من الداخل وصراع العائلة
اقتصاد ينهار ودولة تفقد الاتجاه
في خلفية المشهد السياسي المتأزم، تتكشّف المأساة الحقيقية التي تهدد بقاء الدولة التونسية: الاقتصاد الذي ينهار بصمتٍ أعمق من أي خطاب سياسي. فبينما تنشغل النخب في صراعاتها ومناوراتها، يتآكل ما تبقّى من البنية الاقتصادية التي كانت يوماً مفخرة التجربة التونسية.
البلاد التي قُدّمت قبل عقدٍ من الزمن كنموذجٍ عربي نادر للانتقال الديمقراطي، أصبحت اليوم مرادفاً للعجز المالي والانكماش الاجتماعي. الدين العام تجاوز مستويات غير مسبوقة، والميزانية تعتمد على الاقتراض لتغطية النفقات الجارية، فيما بات التفاوض مع صندوق النقد الدولي أشبه بالمساومة على السيادة الوطنية، إذ لا يمكن الحصول على التمويل دون قبول حزمة شروط قاسية تمسّ الدعم والأجور والوظائف العامة.
تجاوزت البطالة حاجز 16%، لكنها تتخطى 35% بين الشباب، في بلدٍ كان التعليم يوماً مفتاح الحراك الاجتماعي. التضخم، من جانبه، يلتهم الأجور المحدودة ويحوّل الطبقة الوسطى إلى شريحة مهددة بالزوال. والعملة الوطنية فقدت أكثر من ثلث قيمتها منذ عام 2021، ما جعل الأسعار ترتفع في الأسواق بوتيرةٍ لا يستطيع المواطن العادي مجاراتها. المواطن التونسي بات يكتشف أن خطاب “السيادة الوطنية” لا يملأ سلة الخبز، وأن الكرامة السياسية لا تُصرف في السوق.
في هذا المناخ المرهق، جاءت مداخلة النائبة ماجدة الورغي كصرخة سياسية تعبّر عن شعورٍ جماعي بالعجز. حين رفعت حقيبتها الممتلئة بملفات الفساد داخل البرلمان، لم تكن تقوم باستعراضٍ رمزي، بل كانت تعري واقع دولة تتحدث عن “تطهير النظام” بينما يزداد المتورطون فيه رسوخاً ونفوذاً. غياب رئيسة الحكومة عن الجلسة البرلمانية كان، في نظر الورغي، “دليل عجزٍ مؤسسيّ”، لكنه في الحقيقة يعكس ما هو أعمق: غياب القدرة على إدارة دولةٍ بلا رؤية اقتصادية ولا شرعية سياسية.
أما الشارع، فلم يعد ينخدع بخطاب “المؤامرات والخونة”. فالناس يدركون أن الأزمة لم تعد نتيجة “خصومٍ خارجيين” بل نتاج سياسات داخلية متخبطة، وأن العدو الحقيقي هو الفساد الممنهج والبيروقراطية العاجزة التي تخنق كل محاولة إصلاح.
في الأسواق والمقاهي وأروقة الإدارات، يتردد صدى السخرية الشعبية من خطابات الرئيس: “يتحدث عن المتآمرين، بينما العائلات تبحث عن لتر زيتٍ أو كيس دقيق”. إنها المرآة القاسية التي تعكس واقع بلدٍ خرج من الثورة باسم العدالة الاجتماعية، ليجد نفسه اليوم غارقاً في دوامة الغلاء والركود واليأس.
العزلة السياسية وانكشاف الصورة
خارجياً، لم تعد تونس تُنظر إليها بوصفها استثناءً ديمقراطياً في العالم العربي، بل حالة قلقة تتأرجح بين الانغلاق السياسي والانكشاف الجيوسياسي. الغرب الذي تغنّى طويلاً بـ”النموذج التونسي” بدأ يفقد صبره. فالولايات المتحدة، التي رأت في تونس يوماً “قصة النجاح الوحيدة” للربيع العربي، أصبحت تتحدث بلغة التحذير لا الإعجاب. واشنطن تراقب بقلق تصاعد القمع، وتلوّح بتقليص المساعدات وتجميد التعاون الأمني، بعدما باتت الاعتقالات بحق الصحافيين والمعارضين عنوان المرحلة الجديدة.
غير أن التردّد الأميركي لا ينفصل عن حسابات أكبر. فالإدارة الأميركية تدرك أن الضغط الزائد قد يدفع تونس إلى أحضان محاور أخرى — إيرانية أو روسية — خاصة في ظل انفتاح طهران على شمال إفريقيا، وسعي موسكو لتعويض خسائر نفوذها في الساحل وغرب إفريقيا. لهذا تتعامل واشنطن مع الملف التونسي ببراغماتية حذرة: تُدين الانتهاكات، لكنها لا تقطع الجسور.
في المقابل، يعيش الاتحاد الأوروبي حالة ارتباك مزمنة. فبروكسل تجد نفسها بين مطرقة المبادئ وسندان المهاجرين. الاتحاد لا يريد انهيار تونس، لأنها تمثّل حاجزاً بشرياً على ضفة المتوسط يمنع موجات اللجوء نحو الشمال، لكنه في الوقت نفسه لم يعد قادراً على الدفاع عن سياسات قمعية علناً. لذلك جاء موقفه متردداً: بيانات إدانة رمزية، ومساعدات مالية مشروطة، ومحادثات خلف الكواليس لتأمين “الاستقرار بأي ثمن”.
وسط هذه التوازنات الهشّة، يظلّ الجيش التونسي الورقة الوحيدة التي تحظى بإجماع خارجي نسبي. فالمؤسسة العسكرية، التي حافظت تقليدياً على مسافة من السياسة، باتت تُعامل غربياً كضامن أخير لبقاء الدولة في حدودها الحالية ومنع انزلاقها نحو الفوضى. واشنطن وباريس، كما كشفت تقارير Reuters وLe Monde، تعتبران الجيش “الصمّام الذي يفصل تونس عن سيناريوهات ليبيا أو السودان”.
لكن هذه الثقة الغربية بالجيش لا تُخفي الحقيقة الأعمق: أن تونس فقدت مكانتها الرمزية كمختبرٍ للديمقراطية العربية، وتحولت في نظر العواصم الكبرى إلى ملف أمني أكثر منه سياسي. في الكواليس، تُناقش تونس اليوم لا بوصفها شريكاً إصلاحياً، بل كدولة يجب “احتواؤها” حتى لا تنزلق نحو محورٍ معادٍ. وهكذا يتقلّص الهامش التونسي بين ضغوط الخارج وارتباك الداخل، في مشهدٍ يُشبه تماماً حال البلاد نفسها: دولة تبحث عن توازنٍ مفقود، وسط عالمٍ يتغيّر أسرع من قدرتها على الفهم أو المواكبة.
هل يكرّر قيس سعيّد تجربة بينوشيه بطابعٍ تونسي؟
منذ لحظة إعلان قيس سعيّد تجميد البرلمان في صيف 2021، بدأ كثير من المراقبين يطرحون سؤالاً مقلقاً: هل تشهد تونس تكراراً ناعماً لما فعله أوغوستو بينوشيه في تشيلي قبل نصف قرن؟ فالمشهد يبدو مألوفاً إلى حدٍّ ما — رئيس يعلن “تصحيح المسار”، يعلّق عمل المؤسسات المنتخبة، ويعدّ بأن “ينقذ الدولة من الخونة والفساد”، بينما يزداد تركيز السلطة في يده يوماً بعد يوم.
لكن المقارنة، وإن كانت مغرية، تظلّ أكثر رمزية من كونها حرفية. فبينوشيه كان جنرالاً في الجيش، صعد إلى الحكم على ظهر الدبابات عام 1973، وأقام نظاماً عسكرياً قمعياً دام سبعة عشر عاماً. أما قيس سعيّد، فكان أستاذاً في القانون الدستوري، اختار أن يطيح خصومه عبر النصوص والمرسومات لا عبر الانقلابات، فاستبدل الزي العسكري بالشرعية القانونية. إنه نموذج مختلف من السلطوية — سلطوية قانونية الطابع، شعبوية الخطاب، تتدثّر بشعارات الدستور في الوقت الذي تفرّغه من مضمونه.
كلا الرجلين، مع ذلك، يلتقيان عند نقطة واحدة: استخدام فكرة “الإنقاذ الوطني” كذريعة لبناء سلطة فردية. بينوشيه تحدث عن إنقاذ تشيلي من الشيوعية، وسعيّد يتحدث عن إنقاذ تونس من “الفساد والمؤامرات”. في الحالتين، يتحوّل “الخطر الخارجي” إلى مبرّرٍ داخلي لإسكات المعارضة، وتصبح الدولة رهينة شخصٍ يرى نفسه وصيّاً على الشعب لا ممثلاً له.
ومع ذلك، يظلّ السياق التونسي أكثر هشاشة وأقل دموية. فالنظام في قرطاج لم يتحوّل بعد إلى آلة قمعية شاملة، ولا يملك الغطاء الدولي الذي مكّن بينوشيه من الصمود في وجه الإدانات لعقود. بل إن سعيّد، بعكس الجنرال التشيلي، يواجه عزلة متزايدة، ورفضاً من الغرب الذي كان يوماً يحتفي بتونس كـ“قصة نجاح الربيع العربي”.
نظام يترنّح أم مرحلة انتقالية نحو المجهول؟