يعيش النازحون اللبنانيون، واقعًا إنسانيًا واجتماعيًا غير مسبوق، في ظل موجات نزوح واسعة طالت مئات الآلاف، معظمهم من أبناء الطائفة الشيعية، هربًا من القصف الإسرائيلي وتداعيات فتح «حزب الله» لجبهة المواجهة، وبين ضغوط النزوح، وتعقيدات الإيواء، وتبدّل أنماط العيش والعمل، تتكشف تحولات عميقة في سلوك النازحين وخياراتهم، وسط غياب الدولة، وتراجع قدرات الإغاثة، وتصاعد المخاوف من مستقبل غامض قد يعيد رسم الخريطة الديموغرافية والاجتماعية للجنوب اللبناني وضواحي بيروت.
ومع تصاعد حدّة الصراع في لبنان، اضطّر عددٌ كبير من السكان، معظمهم من الطائفة الشيعية، إلى النزوح من قراهم وبلداتهم وأحيائهم، وبلغ عددهم وفقًا للحكومة اللبنانية حوالى 1.2 مليون شخص، فيما انتقل ما يُقَدَّر بنحو 200 ألف إلى 300 ألف شخص إلى سورية عبر الحدود. أفرز هذا النزوح وضعًا معقّدًا على الصعيد الاجتماعي، اتّسم حتى الآن بالتعاون والتضامن، إلا أن عواقبه المستقبلية ما زالت غير معروفة. حسب مركز مالكوم كير.
خلافات حول إدارة مراكز الإيواء
وأخذت أعداد النازحين ترتفع، واحتياجاتهم تزداد، وأصبح التمويل أكثر ندرة. في غضون ذلك، كانت قدرة الدولة اللبنانية على تولي جهود الإغاثة محدودةً، فالبلاد لم تتعاف بعد من الانهيار المالي الذي أصابها في العامَين 2019-2020، إذ باتت الدولة مُفلِسة فعليًا. في الوقت نفسه، نشأت خلافات حول إدارة مراكز الإيواء بين المنظمات غير الحكومية والفروع المحلية للقوى السياسية، وحذّر البعض من استقبال النازحين المرتبطين بحزب الله بسبب معارضتهم له، أو بسبب مخاوفهم من أن تستهدف إسرائيل عناصر من الحزب موجودين بين النازحين. ولكن على الرغم من هذه التحدّيات، رحّب السكان عمومًا بالنازحين.
في المقابل، تفاقمت مشاكل النازحين الذين لجأوا إلى منازل أقاربهم أو اسـتأجروا شققًا سكنية، إذ اضطّروا إلى الاعتماد على أنفسهم أو على مضيفيهم. فقد تردّد كثرٌ منهم في طلب مساعدة المنظمات غير الحكومية والسلطات البلدية، ما أدّى إلى معاناة ملحوظة. معظم هؤلاء النازحين تركوا منازلهم من دون أموال كافية، في حين أن مَن يملك بعض المال منهم قلقٌ بشأن المستقبل بعد نفاد هذا المال، مع العلم أن قسمًا كبيرًا من النازحين يعتمدون على التحويلات المالية من الخارج.
غياب الأحزاب عن عمليات الإغاثة
على المستوى السياسي، يُشار إلى أن الأحزاب شبه غائبة عن عمليات الإغاثة، علمًا أن بعضها يشارك بصفة اجتماعية من خلال العلاقات التي تربطه بمنظمات دولية من أجل الحصول على دعمها. والدولة أيضًا غائبةً على الجبهات كافة. إذًا، أسهمت العلاقات بين النازحين ومضيفيهم في تعزيز قدرة هذه المجتمعات على التصدّي لمحاولات زرع بذور الانقسام، الأمر الذي خفّض منسوب التوترات الطائفية والنزاعات السياسية. مع ذلك، من الضروري الاستمرار في بذل جهود حثيثة للتعامل مع تداعيات الاكتظاظ، والمشقّات الاقتصادية، والاحتمال الكبير المتمثّل في اتّساع رقعة الحرب.
وأكد الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، أن الشيعة النازحين توزعوا على عدة مناطق؛ من نزحوا من الشريط الحدودي وعددهم حوالي 90 ألفاً، نصفهم موجود في القرى الجنوبية القريبة، أي في صور والنبطية وصيدا وقضاء الزهراني وغيرها، ونصفهم الآخر موجود في الضاحية الجنوبية ومناطق بيروت، موضحاً أن «سكان الضاحية نزح حوالي 10 آلاف منهم، نصفهم إلى مناطق متفرقة من بيروت والنصف الآخر إلى مناطق متاخمة، وبالتحديد إلى ضواحي جبل لبنان القريبة من العاصمة كالحازمية والمنصورية وسن الفيل وغيرها». حسب الشرق الأوسط.
ونفى شمس الدين ما يتم الترويج له عن أن «حزب الله» يشتري شقق الراغبين ببيعها في الضاحية، لافتاً إلى أنه في المقابل «يصر على ألا تُدفع أموال للمتضررين إنما أن تتم عملية إعادة إعمار منازلهم بشكل مباشر خشية أن ينتقل هؤلاء للسكن في مناطق أخرى».
قيود إسرائيلية
وفي السياق ذاته، يستبعد الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية» علي الأمين، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تكون أكثرية أبناء الشريط الحدودي فقدت الأمل بالعودة إلى قراها وإعادة إعمارها، «وإن صارت العودة هذه أمراً ليس بالهين واليسير، ودونها عقبات كبرى».
وأشار إلى أن «ما تبدل أنهم أصبحوا أكثر جهوزية لتقبل عودة بشروط يدركون أنها ستكون قاسية عليهم، بسبب ما يعتقدون أن إسرائيل ستفرضه على إعادة الإعمار وعلى العائدين، علماً بأن القرى المدمرة ليست خالية تماماً فقد أتاحت إسرائيل للعديد من العائلات العودة ولكن بفرض قواعد وشروط تجعل السكان وكأنهم تحت سلطة الاحتلال، فأي عمل أو نشاط في هذه القرى يتطلب إذناً مسبقاً من الاحتلال ليوافق أو يرفض».






