تتجه الأنظار مجددًا نحو السودان بعد التصريحات اللافتة التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والتي دعا فيها إلى وقف إمدادات الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، محذرًا من استمرار تدفق الدعم الخارجي لهذه القوات التي اتهمها بتأجيج الصراع الداخلي.
قلق متصاعد داخل أروقة الغرب
جاءت تصريحات روبيو عقب اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في كندا، في وقت يزداد فيه القلق الدولي من انهيار شامل في المشهد السوداني، وتوسع رقعة المواجهات التي تهدد الأمن الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي.
حديث روبيو، وإن بدا في ظاهره نداءً إنسانيًا لوقف الحرب، إلا أنه يحمل في طياته مؤشرات على تحرك غربي منسق لإعادة رسم قواعد اللعبة في السودان، عبر سياسة “التجفيف” التي تستهدف قطع خطوط الإمداد العسكري والمالي عن أحد أبرز أطراف النزاع.
هذا التوجه يثير تساؤلات حول مدى استعداد الولايات المتحدة لتوسيع نطاق الضغط ليشمل دولًا إقليمية يُعتقد أنها توفر أشكالًا من الدعم للدعم السريع.
ورغم أن واشنطن لم تُسمِّ تلك الدول صراحة، فإنّ روبيو أشار بوضوح إلى أن بعض الحكومات “تعرف نفسها جيدًا”، ما اعتبره مراقبون رسالة مباشرة موجهة لعواصم بعينها في المنطقة. هذا التصعيد اللفظي يُعدّ تطورًا مهمًا في الموقف الأميركي، ويشير إلى أن الملف السوداني لم يعد يُدار من منظور إنساني فقط، بل من زاوية توازنات النفوذ الإقليمي والتنافس الدولي على موارد السودان وموقعه الجيوسياسي الحيوي.
وفي ظلّ فشل المبادرات السابقة في كبح التصعيد، يبدو أن واشنطن تراهن هذه المرة على سياسة أكثر حزمًا، تسعى من خلالها إلى فرض “حصار دبلوماسي وعسكري” على قوات الدعم السريع، وإجبارها على القبول بتسوية سياسية تتوافق مع الرؤية الغربية لحل الأزمة السودانية.
خلفيات الموقف الأميركي
تأتي دعوة روبيو بعد سلسلة من التطورات الميدانية الخطيرة، أبرزها سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، أحد أهم المراكز الاستراتيجية في إقليم دارفور، الأمر الذي أعاد رسم خريطة السيطرة على الأرض وأضعف موقع الجيش السوداني. هذا التقدم العسكري السريع أثار قلقًا بالغًا لدى الدوائر الغربية، التي تخشى من تحوّل دارفور إلى قاعدة نفوذ شبه مستقلة تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
الولايات المتحدة، وفق تصريحات مسؤولين سابقين، ترى أن استمرار تدفق السلاح للدعم السريع يعني عمليًا تكريس حالة الانقسام داخل السودان، وفتح الباب أمام سيناريوهات “لبننة” الدولة، أي تفككها إلى أقاليم متناحرة تخضع لقوى محلية مدعومة من الخارج، ولهذا، تسعى واشنطن إلى استصدار موقف دولي موحّد يهدف إلى مراقبة مسارات السلاح والمال التي تغذي النزاع.
لكن التحدي الأكبر الذي تواجهه الإدارة الأميركية يتمثل في غياب الإجماع داخل مجلس الأمن، خاصة مع تحفظات بعض القوى الكبرى التي تربطها مصالح مباشرة مع أطراف النزاع.
الصين وروسيا، على سبيل المثال، تبديان حذرًا من أي خطوة تُفسَّر كذريعة لتدويل الأزمة أو فرض عقوبات جديدة خارج إطار الأمم المتحدة.
في المقابل، يرى مراقبون أن تحرك روبيو يأتي أيضًا في إطار محاولة واشنطن لاستعادة زمام المبادرة في الملف السوداني، بعد أن فقدت تأثيرها خلال الشهور الماضية لصالح تحركات عربية وإفريقية أكثر نشاطًا، خصوصًا من جانب مصر والسعودية والإمارات.
حرب بالوكالة تلوح في الأفق
تتسع دائرة المخاوف من أن يتحوّل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوى الإقليمية، لا سيما بعد أن تزايدت التقارير حول تورط جهات خارجية في تزويد الأطراف المتحاربة بالسلاح والذخائر.
التصريحات الأميركية الأخيرة تعزز هذا الطرح، وتؤكد أن الصراع لم يعد داخليًا بحتًا، بل تجاوز حدود السودان ليصبح جزءًا من معركة النفوذ في إفريقيا.
هذا المشهد يذكّر كثيرين بالنموذج الليبي، حين أدت كثافة التدخلات الأجنبية إلى تفتيت الدولة وإطالة أمد الحرب لسنوات. وإذا لم يتم التحرك سريعًا لضبط إيقاع التدخلات، فإن السودان مهدد بمصير مشابه، خصوصًا أن النزاع الحالي يحمل طابعًا إثنيًا ومناطقيًا معقدًا يصعب احتواؤه دون إرادة دولية موحدة.
تحذيرات روبيو إذًا ليست مجرد تصريح دبلوماسي عابر، بل هي إشارة إلى بداية مرحلة جديدة من الضغط الغربي، قد تشمل عقوبات اقتصادية على الكيانات والأفراد المتورطين في تسليح قوات الدعم السريع، وتقول مصادر غربية إن الخارجية الأميركية تدرس حاليًا قوائم بأسماء شركات وأطراف يُعتقد أنها تسهّل عمليات نقل الأسلحة والتمويل.
ومع ذلك، تبقى فعالية هذه الخطوات مرهونة بمدى تعاون الدول الإقليمية، التي تمتلك نفوذًا فعليًا على الأرض، وهي التي يمكنها وحدها التحكم في مسارات الإمداد عبر الحدود الصحراوية الواسعة التي تربط السودان بدول الجوار.
التدويل يقترب.. ومجموعة السبع تتحرك
خلال اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في كندا، حظي الملف السوداني بحيز واسع من النقاش، وسط توافق مبدئي على ضرورة اتخاذ موقف موحد يمنع تكرار سيناريوهات الفوضى التي شهدتها ليبيا واليمن.
البيان الختامي للمجموعة أشار إلى أن استمرار تدفق السلاح “يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي”، وهي إشارة تعني ضمنيًا أن الأزمة باتت مرشحة للدخول ضمن جدول أعمال مجلس الأمن قريبًا.
التحرك الغربي المحتمل قد يتخذ شكل مبادرة لفرض رقابة أممية على المعابر الحدودية والموانئ التي يُشتبه بأنها تستخدم في نقل الأسلحة، غير أن تطبيق مثل هذه الخطوات يحتاج إلى تنسيق مع دول الجوار، وهو أمر معقد نظرًا لتشابك المصالح الإقليمية وتضارب المواقف بين العواصم المعنية.
في هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول مدى استعداد الاتحاد الإفريقي لتبني موقف أكثر صرامة ضد تمويل وتسليح الفصائل، خصوصًا بعد فشل مساعيه المتكررة في جمع الأطراف على طاولة مفاوضات فعّالة، وتخشى بعض الدول الإفريقية من أن يؤدي التدويل إلى تهميش دورها السياسي في الأزمة.
لكن المؤكد أن الضغوط الأميركية ستتزايد خلال الأسابيع المقبلة، في إطار ما تسميه واشنطن “خطة الردع المبكر”، الهادفة إلى وقف تدفق السلاح قبل أن يتحول السودان إلى بؤرة صراع مفتوح يصعب السيطرة عليه.
الذهب مقابل السلاح: اقتصاد الحرب السوداني
واحدة من أكثر القضايا التي تثير قلق واشنطن هي استخدام موارد السودان، وعلى رأسها الذهب، كمصدر تمويل رئيسي للحرب، فبحسب تقارير غربية، نجحت قوات الدعم السريع في إنشاء شبكة معقدة لتصدير الذهب عبر وسطاء إقليميين، مقابل الحصول على السلاح والذخيرة. هذا النموذج من “اقتصاد الحرب” يجعل من وقف النزاع مهمة شبه مستحيلة، إذ تتحول الحرب نفسها إلى مصدر دخل.
في ظل هذا الواقع، تسعى واشنطن لتفكيك منظومة التمويل غير الرسمي التي تغذي الصراع، سواء عبر تتبع حركة الأموال أو مراقبة صادرات الذهب السوداني، وتشير تسريبات دبلوماسية إلى أن وزارة الخزانة الأميركية تدرس فرض عقوبات على شركات تعدين وشبكات مصرفية يشتبه في ارتباطها بالدعم السريع.
ورغم ذلك، تبقى فعالية هذه الإجراءات محدودة ما لم ترافقها حملة دبلوماسية شاملة لإقناع الدول المجاورة بفرض قيود على حركة السلاح والذهب، فغياب التنسيق الإقليمي يتيح استمرار التهريب عبر طرق صحراوية وعرة يصعب ضبطها حتى بالأقمار الصناعية.
ويخشى المراقبون من أن تؤدي هذه العقوبات إلى مزيد من التدهور الاقتصادي داخل السودان، ما سيعمّق معاناة المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر للحرب، لذا، تواجه واشنطن معادلة صعبة: كيف تفرض الضغط على الممولين دون أن تزيد من مأساة السكان؟
التحركات الدبلوماسية في كواليس العواصم
في الأروقة الدبلوماسية، بدأ واضحًا أن الملف السوداني يعود بقوة إلى دائرة الاهتمام الدولي بعد شهور من التجاهل، وقد كشفت مصادر غربية أن اتصالات مكثفة جرت بين واشنطن وعدد من العواصم العربية والإفريقية لحشد دعم سياسي للتحرك ضد شبكات تسليح الدعم السريع.
المصادر نفسها أكدت أن هناك اتجاهاً لعقد اجتماع خاص حول السودان على هامش اجتماعات الأمم المتحدة المقبلة في نيويورك، يهدف إلى صياغة خريطة طريق جديدة لوقف إطلاق النار تشمل آلية لمراقبة تدفقات السلاح.
هذه التحركات، وفق المراقبين، تعكس إدراكًا متأخرًا من المجتمع الدولي بأن تجاهل الأزمة قد يقود إلى انفجار إقليمي يصعب احتواؤه، خصوصًا مع وجود ملايين النازحين الذين بدأوا بالعبور إلى تشاد وإثيوبيا.
لكن في المقابل، لا يزال الجيش السوداني والدعم السريع يتبادلان الاتهامات بخرق الهدن المقترحة، مما يجعل أي حل سياسي بعيد المنال ما لم يُفرض ضغط خارجي متوازن على الطرفين معًا.
روبيو يعلن بداية سياسة العزل الإقليمي
يرى الدكتور سامر الدليمي الخبير الدبلوماسي، أن تصريحات روبيو تمثل بداية تحول استراتيجي في الموقف الأميركي من الأزمة السودانية، حيث كانت واشنطن في السابق تتعامل مع النزاع من زاوية إنسانية بحتة، أما الآن فهي تتحدث عن إجراءات عملية لوقف الإمدادات العسكرية، وهو ما يعني الانتقال من مرحلة “التحذير” إلى “العزل”.
ويؤكد الدليمي أن هذه السياسة تهدف إلى تقليص نفوذ الجهات الإقليمية المتورطة في تمويل وتسليح الدعم السريع، بما يضمن إعادة التوازن بين القوى المتحاربة وتهيئة الأرضية لحوار سياسي برعاية أميركية، ويشير إلى أن الولايات المتحدة تستفيد من حالة القلق الأوروبي لتشكيل تحالف ضغط جديد داخل مجموعة السبع.
ويضيف أن واشنطن تسعى من خلال هذا التحرك إلى إرسال رسالة مزدوجة: الأولى إلى الدول الإفريقية بضرورة احترام الحظر الدولي على نقل السلاح، والثانية إلى منافسيها في الساحة الدولية بأن السودان لا يزال ضمن دائرة النفوذ الغربي.
ويختتم الدليمي تحليله بالتأكيد على أن نجاح هذا النهج يعتمد على وجود إرادة جماعية داخل مجلس الأمن، وأن أي انقسام بين القوى الكبرى سيؤدي إلى نتائج عكسية تضعف الموقف الأميركي نفسه.
السودان على حافة التفكك
تحذر الدكتورة سلمى البدوي باحثة في شؤون الأمن الإقليمي، من أن استمرار تدفق الأموال والسلاح إلى الدعم السريع يعني عمليًا تفكك الدولة السودانية إلى كانتونات محلية تخضع لسلطة أمراء الحرب، وترى أن تصريح روبيو بمثابة محاولة أخيرة لوقف هذا الانهيار قبل أن يصبح خارج السيطرة.
وتشير البدوي إلى أن الاقتصاد الحربي الذي تشكل خلال العامين الماضيين يعتمد على شبكة مصالح معقدة تمتد من مناجم الذهب في دارفور إلى موانئ البحر الأحمر، مرورًا بمناطق تهريب عبر الحدود الغربية، ما يجعل أي حصار فعلي مهمة شديدة التعقيد.
وتلفت إلى أن أي تحرك غربي دون إشراك الدول الإفريقية المعنية سيبقى ناقصًا، لأن الحلول الأمنية لا يمكن أن تنجح دون معالجة الجذور الاقتصادية والسياسية التي غذّت الحرب منذ بدايتها.
وتختم البدوي بالقول إنّ السودان يقف اليوم على مفترق طرق: فإما أن تتكاتف الجهود الدولية والإقليمية لوقف النزيف، أو أن يتحوّل البلد إلى نموذج جديد للفوضى المزمنة، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي بأكمله.






