تشكل المرحلة الراهنة من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الوسطاء الدوليين على تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ميداني مستدام. فعلى الرغم من التوصل إلى الاتفاق بوساطة أمريكية، فإن استمرار الانتهاكات المتبادلة يعكس هشاشة الترتيبات الأمنية وغياب الثقة بين الأطراف، ما يضع مستقبل المرحلة الثانية – الأكثر تعقيداً – أمام تحديات جدية.
تصريحات نيكولاي ملادينوف خلال مؤتمر ميونيخ للأمن تكشف عن قلق دولي متزايد من أن تتحول اللجنة الفلسطينية الانتقالية إلى إطار شكلي غير قادر على فرض سلطة فعلية داخل القطاع، في ظل استمرار سيطرة حركة حماس ميدانياً وتعثر تنفيذ بندي نزع السلاح ونشر قوة أمنية دولية. هذا التعثر لا يهدد فقط مسار إعادة الإعمار، بل يطرح تساؤلات أعمق حول الجهة التي ستملك الشرعية والقدرة التنفيذية لإدارة غزة بعد الحرب.
الطموح يصطدم بمعارضة إسرائيلية
في المقابل، يبرز البعد السياسي الأوسع المرتبط بمستقبل العلاقة بين غزة والضفة الغربية، ومساعي السلطة الفلسطينية لتوحيد الإدارة تمهيداً لمشروع الدولة. غير أن هذا الطموح يصطدم بمعارضة إسرائيلية واضحة، وبواقع أمني متقلب يجعل أي انتقال للسلطة رهناً بتوازنات ميدانية لم تُحسم بعد.
تحدث نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لغزة في مجلس السلام الذي أنشأته الولايات المتحدة، خلال حلقة نقاش في مؤتمر ميونيخ للأمن. ومن المقرر أن يجتمع المجلس الدولي، الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأسبوع المقبل . حسب وكالة اسوشيدت برس.
اجتمعت اللجنة الانتقالية، المؤلفة من مسؤولين فلسطينيين، في مصر، لكنها لم تدخل غزة بعد. وصرح ملادينوف بأنها لن تتمكن من أداء مهامها ما لم تسلمها حركة حماس، التي تحكم غزة منذ عام 2007، السيطرة المؤسسية. كما دعا إلى تقديم المزيد من المساعدات وتحسين الوضع الأمني.
ينص الاتفاق على أن تُلقي حماس أسلحتها وأن تُنشر قوة أمنية دولية، لكن لم يُحرز أي تقدم ملموس في أي من الأمرين. وواصلت إسرائيل شنّ غارات ردًا على ما وصفته بانتهاكات الهدنة. كما شنّ مسلحون فلسطينيون هجمات على القوات الإسرائيلية.
السلطة تسعى لإدارة غزة إسرائيل تعارض
قال ملادينوف: “علينا التأكد من توقف ما يحدث الآن من انتهاكات لوقف إطلاق النار. إننا لا نفعل سوى إحراج اللجنة وجعلها في نهاية المطاف غير فعالة”. ولم يحدد ملادينوف جدولاً زمنياً محدداً، لكنه قال: “كل هذا يجب أن يتحرك بسرعة كبيرة”. حسب وكالة اسوشيدت برس.
وفي ذات السياق، قال وزير الخارجية الفلسطيني، فارسين أغابكيان شاهين، خلال مشاركته في نفس الجلسة، إن الجدول الزمني بالغ الأهمية، مضيفاً أنه يجب عدم فصل غزة عن الضفة الغربية المحتلة. وتسعى السلطة الفلسطينية إلى إدارة كلا القطاعين تمهيداً لإقامة الدولة الفلسطينية، وهو أمر تعارضه إسرائيل بشدة.
سعت اتفاقية وقف إطلاق النار التي توسطت فيها الولايات المتحدة في 10 أكتوبر إلى وقف حرب استمرت لأكثر من عامين بين إسرائيل وحماس. رغم انحسار حدة القتال، إلا أن وقف إطلاق النار شهد قصفاً إسرائيلياً شبه يومي. ونفذت القوات الإسرائيلية غارات جوية متكررة، وأطلقت النار بشكل متكرر على الفلسطينيين قرب المناطق التي تسيطر عليها القوات. وبلغ عدد القتلى الفلسطينيين 591 قتيلاً، وفقاً لمسؤولي الصحة في غزة.
جثث فلسطينية مجهولة الهوية
تحتفظ الوزارة، التابعة لحكومة حماس، بسجلات مفصلة للخسائر البشرية، تعتبرها وكالات الأمم المتحدة والخبراء المستقلون موثوقة بشكل عام. إلا أنها لا تقدم تفصيلاً للخسائر بين المدنيين والمسلحين.
تم دفن جثث 53 فلسطينياً مجهولي الهوية، إلى جانب 86 جثة بشرية مجهولة الهوية، يوم الجمعة في مقبرة بدير البلح وسط قطاع غزة.في وقت سابق من هذا الشهر، نقلت إسرائيل جثامين 54 فلسطينياً و66 صندوقاً تحوي رفاتاً بشرية، جميعها مجهولة الهوية، إلى غزة عبر الصليب الأحمر. وتم التعرف على جثة واحدة فقط من قبل عائلة، بينما دُفنت الجثث الأخرى يوم الجمعة.
لم تقدم إسرائيل أي معلومات تعريفية عن الجثث، ولا تسمح بدخول مواد اختبار الحمض النووي إلى غزة . “يُخصص وقتٌ للعائلات للتعرف على هذه الجثث والرفات. وللأسف، لم يتم التعرف على أيٍّ من هذه الرفات أو الأعضاء”، هذا ما قاله زياد عبيد، مدير إدارة المقابر بوزارة الأوقاف، من موقع الدفن.







