يشهد اليمن منذ سنوات متتالية موجات معقدة من تدفق المهاجرين غير الشرعيين القادمين من دول القرن الإفريقي، بما في ذلك إثيوبيا والصومال، الذين يسلكون طرقاً خطرة عبر سواحل البحر الأحمر وبحر العرب وصولاً إلى الأراضي اليمنية، ثم التوجه نحو المناطق الداخلية أو الحدودية. وتعكس التطورات الأخيرة في محافظة صعدة وشبوة، والتي شهدت خلالها تلك المناطق عمليات عنف وملاحقة للمهاجرين من قبل جماعة الحوثي، واقعاً معقداً يشمل أبعاداً سياسية وأمنية واجتماعية وإنسانية، ويطرح تساؤلات حول استغلال هذه الفئة الضعيفة في أنشطة غير قانونية تزيد من هشاشة الوضع الإنساني في البلاد.
في محافظة صعدة، المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، شهدت مناطق مثل سوق القهر التابعة لمديرية منبه حملات مطاردة وعنف موجهة ضد المهاجرين غير الشرعيين. وأكدت المصادر المحلية أن هذه الحملات جاءت بعد خلافات بين المشرفين الحوثيين وعدد من المهاجرين العاملين في شبكات تهريب المخدرات ونبتة القات، والتي يتم إعادة تغليفها ونقلها عبر مناطق حدودية مختلفة. وفي سياق ذلك، استخدمت الجماعة الأسلحة خلال الاشتباكات التي وصفت بأنها محدودة، قبل أن يتم فرض السيطرة على الوضع من جانبهم.
استثمار المهاجرين في شبكات غير قانونية
ويشير التحليل إلى أن الجماعة الحوثية، على الرغم من تطبيقها لسياسات القمع والتنكيل في أحيان كثيرة، تلعب دوراً مزدوجاً فيما يتعلق بالمهاجرين. فقد ساعدت على وصول أعداد كبيرة منهم إلى مناطق معينة، ووفرت لهم سكن ودعماً مؤقتاً، كما أقامت مقرات لإعادة تغليف المخدرات والإشراف على تهريبها، وهو ما يعكس استغلال الجماعة لضعف المهاجرين واستثمارهم في شبكات غير قانونية. هذا التوظيف المزدوج – توفير الحماية المؤقتة مع استغلالهم في النشاطات غير المشروعة – يعكس استراتيجية منظمة للتحكم في تدفقات المهاجرين وتحقيق مكاسب مالية مباشرة وغير مباشرة من خلال فرض سيطرة كاملة على نشاطات التهريب.
تؤكد هذه الممارسات الحوثية وجود شبكة واسعة لإدارة تهريب المهاجرين، تمتد من السواحل اليمنية إلى مناطق الحدود الشمالية. وتعمل هذه الشبكة بشكل منهجي، حيث يقوم المهربون بتسهيل انتقال المهاجرين مقابل رسوم مالية، مع استخدام بعضهم في الأعمال الزراعية أو العسكرية، بينما يتم دفع البقية نحو مناطق حدودية لاستغلالهم في التهريب. وهذا يعكس كيف أن الجماعة استغلت حالة النزوح والهجرة كأداة اقتصادية وسياسية، حيث يضمنون تحكمهم في الموارد البشرية المتاحة ويقللون من قدرتهم على المقاومة أو الاستقلالية.
التحكم في تدفقات المهاجرين
وفي سياق مشابه، نفذت الجماعة الحوثية حملة في منطقة جبلية تعرف باسم «المجمع»، استهدفت من خلالها مجموعة من العمال اليمنيين وعدداً من المهاجرين الأفارقة بسبب خلافات حول إدارة مطاعم ومقاهي مخصصة لخدمة المهاجرين. وقد أدى التدخل إلى إحراق المنشآت التجارية وإجبار أصحابها على مغادرة المنطقة، مع إقامة الحواجز الأمنية لحماية المهاجرين غير الشرعيين الذين يستخدمون في أنشطة التهريب والأعمال العسكرية. ويظهر هذا الحدث بوضوح كيف تستخدم الجماعة القوة العسكرية للسيطرة على الموارد الاقتصادية المحلية والتحكم في تدفقات المهاجرين، مع فرض إشراف مباشر على نشاطات مربحة أو حيوية في مناطق نفوذها.
على الجهة الأخرى، تسجل المناطق الواقعة تحت سلطة الحكومة الشرعية، مثل محافظة شبوة، استمرار تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين أسبوعياً. فقد استقبلت سواحل شبوة خلال يومين فقط نحو 255 مهاجراً على متن قوارب صغيرة، معظمهم من الرجال الإثيوبيين، بالإضافة إلى عدد من النساء، في حين وصل خلال الشهر الماضي أكثر من ألف مهاجر. ويشير هذا التدفق إلى أن شبوة أصبحت نقطة استقبال رئيسية، لا سيما بعد تشديد الإجراءات الأمنية في سواحل محافظة لحج، والتي كانت تعد المنفذ الأهم للمهربين بسبب قربها من سواحل جيبوتي على البحر الأحمر.
انتهاك الاتفاقيات الدولية
من منظور أمني وإنساني، يثير استمرار تدفق المهاجرين إلى مناطق تحت سلطة الحكومة الشرعية تحديات كبيرة. فالمهاجرون غالباً ما يفتقرون إلى وسائل العيش الأساسية، ويواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية، مما يزيد من هشاشة المجتمعات المحلية المضيفة ويعقد قدرة السلطات على إدارتها. كما أن ضغوط التهريب والممارسات غير القانونية تزيد من احتمالية استغلال هذه الفئة في أنشطة إجرامية، بما فيها التهريب والتجنيد القسري، ما ينعكس سلباً على الاستقرار الأمني والاجتماعي في المحافظات المستقبلة.
ومن زاوية حقوقية، تشير التقارير إلى أن المهاجرين الأفارقة يواجهون انتهاكات جسيمة، خاصة في مناطق الحوثيين، حيث يتعرضون للتنكيل والملاحقة العنيفة، وهو ما يشمل الاعتداء الجسدي، والتقييد القسري لحركتهم، وفرض العمل في شبكات التهريب تحت تهديد القوة. وتعكس هذه الأفعال انتهاكاً واضحاً للاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق اللاجئين والمهاجرين، بما في ذلك الحماية من الاستغلال والعمل القسري، وتضع المجتمع الدولي أمام تحديات ملموسة بشأن مراقبة وضبط شبكات التهريب في اليمن.
من منظور تحليلي أوسع، تكشف هذه التطورات عن ديناميكيات معقدة تتعلق بالنفوذ المحلي والجماعات المسلحة في اليمن. فقد أظهرت الجماعة الحوثية قدرة على دمج التحكم العسكري مع النشاطات الاقتصادية غير القانونية، بما فيها تهريب البشر والمخدرات، واستخدام المهاجرين كأداة لإدارة الموارد وتحقيق المكاسب. وفي الوقت نفسه، تواجه السلطات الشرعية تحديات متمثلة في استقبال أعداد كبيرة من المهاجرين، وتوفير الخدمات الأساسية، وضمان حماية حقوقهم، وهو ما يتطلب استراتيجيات متكاملة تشمل التعاون الدولي والحد من شبكات التهريب وتوفير بدائل قانونية للهجرة.
السيطرة غير الرسمية للجماعات المسلحة
على المستوى الإنساني، تؤكد هذه الأحداث على هشاشة وضع المهاجرين غير الشرعيين في اليمن، الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين جماعة مسلحة تستغلهم وبين دولة تواجه قيوداً كبيرة في الموارد والقدرات الأمنية. كما يشير استمرار التدفق إلى الحاجة الملحة لتدخلات عاجلة تتعلق بتقديم المساعدات الإنسانية، وتعزيز الحماية القانونية، وضبط تدفقات التهريب عبر التعاون مع المنظمات الدولية والدول المجاورة، بما يخفف من الانتهاكات ويحد من الاستغلال الممنهج لهذه الفئة.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الوضع الراهن للمهاجرين غير الشرعيين في اليمن يشكل نموذجاً صارخاً لكيفية تداخل الأبعاد الإنسانية والأمنية والاقتصادية والسياسية في مناطق النزاع. فالسيطرة غير الرسمية للجماعات المسلحة مثل الحوثيين على مناطق معينة تمكنها من استغلال الثغرات القانونية والاقتصادية، بينما يشكل تدفق المهاجرين إلى مناطق الحكومة الشرعية تحدياً مستمراً للأمن والاستقرار المحلي. ومن هنا، تبرز الحاجة الماسة إلى خطط شاملة لإدارة تدفقات المهاجرين، تشمل تعزيز الرقابة على الحدود، وتقديم الدعم الإنساني المستدام، ومحاربة شبكات التهريب، وتفعيل القوانين المحلية والدولية لحماية حقوق الإنسان.
في النهاية، يمكن التأكيد على أن استمرار هذه الظاهرة بدون تدخل فعال يهدد بتفاقم الأزمات الإنسانية والأمنية في اليمن، ويؤثر بشكل مباشر على المجتمعات المحلية وعلى الاستقرار الإقليمي، ما يجعل من الضروري تبني حلول عاجلة ومتعددة المستويات للتعامل مع تدفق المهاجرين واستغلالهم في الأنشطة غير القانونية، مع ضمان حقوقهم الأساسية وحمايتهم من الانتهاكات.







