يشكّل الشباب الفلسطيني قوة ديموغرافية مركزية، إذ يقدّر عددهم بنحو 1.2 مليون شاب وشابة ضمن الفئة العمرية 18–29 عاماً، أي ما يعادل أكثر من خمس المجتمع الفلسطيني. هذه الكتلة البشرية الهامة، التي يفترض أن تكون ركيزة أساسية للتنمية وبناء المستقبل، تواجه اليوم أخطر تحديات وجودها في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر، والذي يستهدفها بشكل مباشر عبر القتل والتدمير والتهجير، أو بشكل غير مباشر عبر حرمانها من مقومات الحياة الأساسية من تعليم وصحة وفرص عمل.
تحولات خطيرة في البنية الديموغرافية
منذ السابع من أكتوبر 2023، يعيش قطاع غزة حرب إبادة غير مسبوقة خلّفت أكثر من 61 ألف شهيد، معظمهم من النساء والأطفال والشباب، إلى جانب نزوح قرابة مليوني إنسان من أصل 2.2 مليون كانوا يقيمون في القطاع. وفي الوقت الذي تعيش فيه غالبية السكان تحت وطأة مجاعة قاتلة وانعدام شبه كامل للخدمات الصحية، تبرز الفئة الشابة باعتبارها الضحية الأوضح، حيث تشير التقديرات إلى أن 24% من الشهداء هم من الشباب، ما يعكس استهدافاً ممنهجاً لهذه الفئة التي تشكّل العمود الفقري للمجتمع.
تداعيات هذا العدوان لم تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة، بل أفضت إلى تحولات خطيرة في البنية الديموغرافية لقطاع غزة. فقد انخفض عدد السكان بنسبة 10% عمّا كان متوقعاً للعام 2025 نتيجة ارتفاع أعداد الشهداء والمفقودين، وهجرة عشرات الآلاف إلى الخارج، وانهيار معدلات المواليد بفعل الأوضاع الكارثية. هذه التحولات انعكست بوضوح على الشباب، حيث انخفض عددهم بنحو 10%، وهو ما ينذر بتشوهات عميقة في الهرم السكاني الفلسطيني ستلقي بظلالها على مستقبل التنمية والقدرة على إعادة البناء لسنوات طويلة.
تعطل مؤسسات التعليم العالي
التعليم، باعتباره أحد أعمدة الصمود الفلسطيني، كان في قلب الاستهداف الإسرائيلي. فالمجازر طالت أكثر من 17 ألف طالب وطالبة منذ بدء العدوان، وتضرر عشرات الآلاف غيرهم بالإصابات أو الاعتقالات أو فقدان مقاعد الدراسة. تعطلت مؤسسات التعليم العالي في غزة بالكامل، وحُرم نحو 88 ألف طالب من مواصلة تعليمهم الجامعي، إضافة إلى حرمان 39 ألف طالب من حقهم في التقدم لامتحانات الثانوية العامة لعامين متتاليين. هذا الاستهداف الممنهج للقطاع التعليمي يهدف إلى تدمير البنية المعرفية للأجيال القادمة، وتجريد الشباب من أحد أهم أسلحتهم في مواجهة الاحتلال.
ورغم أن الشباب الفلسطيني يتميز بمستوى تعليمي مرتفع نسبياً، إذ إن واحداً من كل خمسة شباب في الضفة الغربية يحمل شهادة بكالوريوس فأعلى، فإن هذه المكتسبات التعليمية تصطدم بواقع اقتصادي قاسٍ عنوانه البطالة. فقد بلغت معدلات البطالة في الضفة الغربية نحو 38% بين الذكور و49% بين الإناث، بينما وصلت في قطاع غزة إلى مستويات كارثية تقارب 80% بين الشباب. هذا الواقع يعكس مأزقاً مركباً: شباب متعلم ومؤهل، لكن دون فرص عمل أو بيئة اقتصادية تسمح بتوظيف قدراته، بفعل الحصار والتدمير المنهجي للبنية الإنتاجية.
جرائم مكتملة الأركان
يتضح من كل ما سبق أن الشباب الفلسطيني، رغم ثقله الديموغرافي وإمكاناته التعليمية، يُستهدف بشكل مركزي في الحرب الإسرائيلية المستمرة، ليس فقط باعتباره ضحية آنية للقتل والدمار، بل أيضاً باعتباره هدفاً استراتيجياً في محاولة شطب المستقبل الفلسطيني. فالخسائر البشرية الفادحة، وتراجع معدلات الإنجاب، وتدمير المؤسسات التعليمية والاقتصادية، كلها تؤسس لتحولات سكانية واجتماعية خطيرة تهدد بقاء الفئة الأكثر حيوية في المجتمع الفلسطيني.
غير أن هذا الاستهداف الممنهج، بما يحمله من أبعاد إنسانية وديموغرافية واقتصادية، لن يمر دون أثر سياسي وأخلاقي على المستوى الدولي. فالمجازر الموثقة، وتجويع السكان، وحرمان الشباب من الحق في التعليم والعمل، تمثل جرائم مكتملة الأركان وفق القانون الدولي، وتكشف بوضوح أن المعركة على غزة ليست فقط معركة جغرافيا، بل معركة على مستقبل أجيال بأكملها.




