أزمة أموال “المقاصة” ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى اتفاق باريس الاقتصادي الموقع عام 1994، والذي نصّ على أن تقوم إسرائيل بجباية الرسوم الجمركية والضرائب على الواردات المخصصة للأراضي الفلسطينية، ثم تحويلها شهرياً إلى خزينة السلطة الفلسطينية. ومنذ ذلك الوقت، تحوّلت هذه الأموال إلى رافد أساسي للموازنة العامة، إذ تشكل نحو ثلثي إيراداتها.
غير أن إسرائيل استخدمت هذا الملف مراراً كورقة ضغط سياسية واقتصادية، فعمدت في مناسبات عديدة إلى اقتطاع مبالغ كبيرة من “المقاصة” أو تجميد تحويلها بشكل كامل. وقد تصاعدت هذه الإجراءات منذ عام 2018، حين أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانوناً يسمح باقتطاع مبالغ تعادل ما تدفعه السلطة الفلسطينية من مخصصات لعائلات الشهداء والأسرى، ما فاقم الأزمة المالية للسلطة ودفعها في أوقات سابقة إلى دفع نصف رواتب الموظفين أو تأجيلها.
أموال المقاصة حق وطني
وفي السنوات الأخيرة، ازدادت حدة الأزمة مع تشديد الاحتلال إجراءاته، خصوصاً بعد تصاعد المواجهات في الضفة الغربية والحرب المستمرة على قطاع غزة، حيث توسعت عمليات الاقتطاع والتجميد لتشمل مبالغ أكبر. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على قدرة السلطة في تسيير شؤونها الأساسية، ما دفع مؤسسات دولية وجهات مانحة إلى التحذير من تداعيات انهيار المنظومة المالية الفلسطينية.
وبينما تؤكد السلطة الفلسطينية أن أموال “المقاصة” هي حق وطني لا يجوز المساس به، تصر إسرائيل على الاستمرار في سياستها، ما يجعل الأزمة مفتوحة على مزيد من التعقيد، خاصة مع غياب أفق سياسي واضح يضمن التزام الاحتلال بالاتفاقيات الاقتصادية الموقعة.
تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي احتجاز أموال الضرائب الفلسطينية المعروفة بـ”المقاصة”، وهو ما ينذر بتداعيات خطيرة على مختلف مناحي الحياة في فلسطين، في ظل الأزمة المالية المتصاعدة التي تعانيها السلطة الفلسطينية.
عجز مالي خانق
وتعتمد الموازنة العامة بشكل أساسي على هذه الأموال التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة على الواردات، ثم تحولها لها وفق الاتفاقيات الموقعة، غير أن الاحتلال يواصل منذ أشهر اقتطاع أجزاء كبيرة منها واحتجاز الباقي، الأمر الذي تسبب في عجز مالي خانق انعكس على انتظام دفع رواتب الموظفين، وتأجيل استحقاقات عديدة في قطاعات التعليم والصحة والخدمات.
وكانت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية قد أعلنت مؤخراً تأجيل بدء العام الدراسي الجديد إلى الثامن من أيلول/ سبتمبر الجاري، باستثناء مدارس القدس التي حافظت على موعدها الأصلي، مرجعة القرار إلى استمرار الأزمة المالية الناتجة عن قرصنة أموال المقاصة.
انهيار قطاعات حيوية
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسة يهدد بانهيار قطاعات حيوية ويزيد من هشاشة الوضع الاجتماعي والمعيشي للفلسطينيين، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات الإنسانية مع تدهور الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء.
وتشير التقديرات إلى أن استمرار احتجاز هذه الأموال يضع السلطة أمام خيارات صعبة، من بينها تقليص الإنفاق العام أو الاستدانة لتغطية النفقات، ما يفاقم المخاطر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الأراضي الفلسطينية.




