قرار الاحتلال الإسرائيلي تجميد الحسابات البنكية لبطريركية الروم الأرثوذكس في القدس يكشف عن بعد جديد من أدوات الضغط التي تمارسها سلطات الاحتلال ضد المؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية في المدينة المقدسة. فالخطوة لا تقتصر على كونها إجراءً مالياً، بل تمثل في جوهرها استهدافًا مباشراً للبنية الدينية والتاريخية التي تشكل هوية القدس، بما يعكس سياسة متواصلة لتقويض الدور التقليدي للمؤسسات الروحية في حماية المقدسات ورعاية شؤون أبنائها.
إن حرمان الكنيسة من الوصول إلى مواردها المالية يعني عمليًا تعطيل قدرتها على أداء واجباتها الدينية والاجتماعية، سواء في صيانة الأماكن المقدسة أو تقديم الخدمات للمجتمع المسيحي المحلي، وهو ما يُفهم منه أن الهدف يتجاوز الجانب المالي إلى محاولة إضعاف الدور التاريخي للكنيسة في المدينة.
تصاعد التوتر الديني والسياسي
الناطق باسم البطريركية، الأب عيسى مصلح، شدد على أن هذا القرار مخالف للوضع التاريخي القائم، وهو يشير هنا إلى “الوضع الراهن” أو ما يُعرف بـ”الستاتيكو”، وهو الترتيب التاريخي الذي يضمن للكنائس المختلفة حقوقها وصلاحياتها داخل القدس منذ العهد العثماني، والذي اعترفت به القوى الدولية اللاحقة. بتجاوز هذا الترتيب، تسعى إسرائيل إلى فرض وقائع جديدة تمس سيادة الكنيسة على مقدساتها، وتفتح الباب أمام سيطرة مالية وإدارية غير مسبوقة على مؤسساتها.
الخطورة الأعمق تكمن في توقيت هذا القرار؛ إذ يأتي في ظل تصاعد التوتر الديني والسياسي في القدس، حيث يتعرض المسلمون والمسيحيون على حد سواء لمحاولات منهجية لتغيير هوية المدينة عبر الاستيطان، والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، والضغط المتواصل على الكنائس من خلال الضرائب والملاحقات المالية والقانونية. هذه الإجراءات مجتمعة تعكس استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تقليص الحضور الفلسطيني – بمسلميه ومسيحييه – وتهميش دور المؤسسات الدينية، تمهيدًا لفرض هوية جديدة على القدس تتماشى مع الرواية الإسرائيلية وحدها.
القدس مهددة
تجميد الحسابات البنكية لا يمكن اعتباره مسألة إدارية عابرة، بل هو انعكاس لصراع على السيادة الرمزية والمادية في المدينة المقدسة. فمن خلال التحكم في الموارد المالية للكنيسة، تسعى إسرائيل إلى إضعاف استقلاليتها وتحويلها إلى مؤسسة خاضعة للقرار السياسي الإسرائيلي، وهو ما قد يشكل سابقة خطيرة تمتد آثارها إلى باقي الكنائس والمؤسسات الدينية. وفي حال استمر هذا النهج، فإن القدس مهددة بفقدان تنوعها الديني والتاريخي، الأمر الذي سيقوّض أي أساس للتعايش أو للحفاظ على طابعها العالمي كمدينة مقدسة للأديان.






