لم تكن الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية هدفها تعطيل البرنامج النووي الإيراني، بل مثلت محاولة لإعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط. فمنذ انطلاق العمليات العسكرية، بدا واضحًا أن الهدف يتجاوز تدمير المنشآت النووية، ليصل إلى إضعاف البنية السياسية والعسكرية للنظام الإيراني، ودفعه إلى قبول ترتيبات إقليمية جديدة بشروط مختلفة عما كان مطروحًا قبل الحرب.
وجاء التصعيد بعد أشهر من تعثر المفاوضات، وفي ظل تقديرات أمريكية وإسرائيلية بأن طهران اقتربت من امتلاك قدرات نووية أكثر تقدمًا، بالتزامن مع أزمة داخلية غير مسبوقة شهدتها إيران أواخر عام 2025 وبداية 2026، حيث هزت الاحتجاجات الشعبية شرعية النظام ورفعت الاعتقاد لدى بعض دوائر القرار الغربية بأن الجمهورية الإسلامية تمر بإحدى أكثر مراحلها هشاشة منذ قيامها عام 1979.
لماذا لم تحقق الحرب أهدافها بالكامل؟
في الساعات الأولى للحرب، حققت الضربات الأمريكية والإسرائيلية نتائج عسكرية كبيرة، بعدما استهدفت مراكز القيادة وأدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين. غير أن هذه الضربات لم تؤد إلى انهيار مؤسسات الدولة كما كان متوقعًا، بل دفعت إيران إلى تنفيذ رد واسع النطاق غيّر طبيعة الصراع.
فالهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت قواعد أمريكية في الخليج، إلى جانب تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، أظهرت أن إيران ما زالت تمتلك أدوات قادرة على إلحاق خسائر اقتصادية وعسكرية بخصومها، حتى بعد تلقيها ضربات قاسية. كما أدى اضطراب حركة الطاقة العالمية إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن، وهو ما انعكس سريعًا على الاقتصاد العالمي، وأصبح عامل ضغط على واشنطن وحلفائها.
لماذا اتجه الطرفان إلى التفاوض؟
مع استمرار الحرب، وجد كل طرف نفسه أمام معادلة مختلفة عن تلك التي خطط لها في البداية. فالولايات المتحدة نجحت في توجيه ضربة غير مسبوقة للقيادة الإيرانية، لكنها واجهت في المقابل ارتفاعًا في أسعار الطاقة وضغوطًا سياسية داخلية نتيجة كلفة العمليات العسكرية.
أما إيران، فرغم احتفاظها بقدرة على الرد، كانت تواجه اقتصادًا يقترب من الانهيار، إضافة إلى تحديات داخلية مرتبطة بانتقال السلطة بعد مقتل خامنئي. ولذلك أصبح استمرار الحرب يحمل مخاطر وجودية للطرفين، الأمر الذي فتح الباب أمام وساطات إقليمية قادتها دول مثل قطر وعُمان وباكستان وتركيا ومصر.
مذكرة إسلام آباد… هدنة لا تنهي الصراع
لم تؤد الوساطة إلى اتفاق سلام شامل، بل إلى ما عُرف بـ”مذكرة إسلام آباد”، وهي وثيقة مؤقتة مدتها ستون يومًا تهدف إلى وقف التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز، مع منح المفاوضين فرصة للتوصل إلى اتفاق أكثر استدامة.
وتعكس طبيعة الوثيقة حجم الخلافات بين الطرفين. فواشنطن أصرت على فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني، والإبقاء على جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، ورفض أي مطالب بالتعويض عن الحرب. في المقابل، ربطت طهران أي التزام دائم برفع العقوبات الاقتصادية والحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها.
ولذلك، ينظر إلى المذكرة باعتبارها آلية لإدارة الأزمة أكثر من كونها حلًا نهائيًا لها، إذ تؤجل القضايا الأكثر تعقيدًا إلى مفاوضات لاحقة تحت رعاية الأمم المتحدة.
هل خرج النظام الإيراني أكثر قوة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الحرب أضعفت الجمهورية الإسلامية بعد خسارة رأس هرم السلطة وعدد كبير من قادتها، لكن تطورات ما بعد الحرب تشير إلى صورة أكثر تعقيدًا.
فانتقال السلطة إلى مجتبى خامنئي منح النظام فرصة لإعادة ترتيب مؤسساته تحت شعار الحفاظ على استقرار الدولة. وإذا نجحت القيادة الجديدة في تثبيت وقف إطلاق النار وتحسين الوضع الاقتصادي تدريجيًا، فقد يتحول الاتفاق إلى مصدر جديد للشرعية السياسية، بدلاً من أن يكون مقدمة لانهيار النظام كما كان يأمل بعض خصومه.
وفي المقابل، قد تجد المعارضة الإيرانية نفسها أمام واقع أكثر صعوبة، إذا أدى الاستقرار النسبي إلى تراجع الرهان الدولي على إحداث تغيير جذري في بنية الحكم.
شرق أوسط جديد أم هدنة مؤقتة؟
تكشف الحرب أن الصراع لم يكن يدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني، بل حول شكل النظام الإقليمي بأكمله. فإعادة فتح مضيق هرمز، ومستقبل العقوبات، وحدود النفوذ الإيراني، ودور الولايات المتحدة في المنطقة، أصبحت ملفات مترابطة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر.
ورغم أن الهدنة الحالية خففت من حدة المواجهة، فإنها لم تعالج جذور الخلاف بين الطرفين. فلا تزال واشنطن تسعى إلى تقييد القدرات الاستراتيجية لإيران، بينما ترى طهران أن الحفاظ على عناصر قوتها شرط أساسي لبقاء النظام وردع خصومه.
سلام مؤجل… وصراع لم ينته
تشير التطورات إلى أن الحرب انتهت عسكريًا، لكنها لم تنتهِ سياسيًا. فمذكرة إسلام آباد نجحت في وقف إطلاق النار واحتواء التداعيات الاقتصادية الأكثر إلحاحًا، لكنها لم تحسم القضايا الجوهرية التي أشعلت الصراع منذ البداية.
ولهذا، فإن مستقبل الشرق الأوسط سيبقى مرتبطًا بما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة. فإذا نجحت في تحويل الهدنة إلى اتفاق دائم، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات. أما إذا انهارت، فإن الحرب قد تعود بأشكال مختلفة، لتؤكد أن ما جرى لم يكن نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من التنافس على النفوذ في الشرق الأوسط.






