في وقت تتواصل فيه الهجمات بالطائرات المسيّرة بين موسكو وكييف، جاء إعلان دونالد ترامب عن وقف إطلاق نار لمدة ثلاثة أيام بين روسيا وأوكرانيا ليمنح الانطباع بأن الحرب ربما تقترب من أول منعطف سياسي جدي منذ أشهر طويلة. لكن خلف لغة التفاؤل التي تحدثت عن “بداية النهاية”، تبدو الوقائع على الأرض أكثر تعقيداً بكثير.
فالهدنة التي تبدأ بالتزامن مع احتفالات روسيا بيوم 9 مايو لم توقف الضربات المتبادلة، ولم تُنهِ حالة التأهب القصوى داخل البلدين. موسكو وكييف واصلتا تبادل الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار، بينما استمرت المسيّرات الأوكرانية والروسية في التحليق فوق المدن والمنشآت الحيوية.
ورغم ذلك، يحمل الإعلان الأمريكي دلالة سياسية مهمة. فواشنطن تحاول مجدداً إعادة الإمساك بخيط التفاوض بعد أشهر من الجمود، خاصة مع استئناف الاتصالات بين المفاوضين الأمريكيين والأوكرانيين في فلوريدا. كما أن الإعلان عن أكبر عملية تبادل أسرى منذ بداية الحرب — ألف معتقل من كل طرف — يمنح الهدنة بعداً إنسانياً وسياسياً في آن واحد.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الهدنة ستصمد ثلاثة أيام، بل ما إذا كانت تمهد فعلاً لمسار تفاوضي أوسع أم أنها مجرد هدنة مؤقتة فرضتها الحسابات العسكرية والرمزية للطرفين.
الساحة الحمراء… لماذا لا تريد كييف التصعيد الآن؟
اللافت في التطورات الأخيرة أن الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي أصدر أوامر بعدم استهداف العرض العسكري الروسي في الساحة الحمراء يوم 9 مايو، رغم التهديدات الروسية بشن ضربات واسعة على كييف إذا تعرضت الاحتفالات لأي هجوم.
هذا القرار يكشف أن أوكرانيا، رغم استمرار الحرب، تحاول تجنب مواجهة رمزية مباشرة مع موسكو في أكثر المناسبات حساسية بالنسبة للكرملين. فـ”عيد النصر” بالنسبة لروسيا ليس مجرد احتفال عسكري، بل جزء من الهوية السياسية والتاريخية للنظام الروسي الحديث.
كييف تدرك أن أي ضربة خلال العرض العسكري قد تمنح موسكو مبرراً لتصعيد واسع وربما لإعادة تعبئة الداخل الروسي حول الحرب. لذلك يبدو أن القيادة الأوكرانية اختارت هذه المرة تجنب المواجهة الرمزية، مع الاستمرار في الضغط العسكري في جبهات ومواقع أخرى.
لكن هذا لا يعني أن مستوى التوتر انخفض فعلياً. فروسيا تحدثت عن اعتراض أكثر من 400 طائرة مسيّرة أوكرانية منذ بدء الهدنة، بينما استهدفت ضربات أوكرانية منشآت نفطية ومرافق مرتبطة بالبنية التحتية الروسية، بما في ذلك منطقة روستوف ومصفاة في جبال الأورال.
حرب المسيّرات… المعركة التي غيرت شكل الصراع
بعد أكثر من ثلاث سنوات على الحرب، لم تعد المعارك الكبرى وحدها هي التي تحدد مسار الصراع، بل أصبحت حرب الطائرات بدون طيار جزءاً أساسياً من الاستنزاف اليومي بين الطرفين.
الهجمات الأخيرة التي أدت إلى إغلاق 13 مطاراً في جنوب روسيا تعكس حجم القلق الروسي من قدرة أوكرانيا على نقل المعركة تدريجياً إلى العمق الروسي. وفي المقابل، تواصل موسكو استخدام المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى لاستهداف البنية التحتية الأوكرانية وإبقاء الضغط النفسي والعسكري على كييف.
هذا النوع من الحرب خلق واقعاً جديداً: حتى أثناء إعلان الهدنة، تستمر العمليات العسكرية بوتيرة مختلفة. بمعنى آخر، لم تعد الهدنة تعني توقف الحرب بالكامل، بل مجرد خفض نسبي لمستوى التصعيد.
وربما لهذا السبب بدا سكان كييف، بحسب التقارير، أقل تأثراً بالتهديدات الروسية الأخيرة. فالحرب تحولت بالنسبة لكثيرين إلى واقع يومي طويل، حيث أصبحت صفارات الإنذار والملاجئ جزءاً من تفاصيل الحياة المعتادة.
هل اقتربت التسوية فعلاً؟
تصريحات ترامب التي تحدث فيها عن اقتراب نهاية الحرب ليست الأولى من نوعها، لكنها تأتي هذه المرة في سياق مختلف نسبياً. فالولايات المتحدة تبدو أكثر اهتماماً بإيجاد مسار تفاوضي، بينما تواجه أوكرانيا ضغوطاً متزايدة مرتبطة باستمرار الحرب وكلفتها البشرية والاقتصادية.
في المقابل، تحاول روسيا الظهور بمظهر الطرف المنفتح على التهدئة، خاصة خلال احتفالات 9 مايو، دون أن تتخلى فعلياً عن أهدافها العسكرية والسياسية.
لكن الواقع أن الهوة بين الطرفين ما تزال كبيرة. موسكو تريد تثبيت مكاسبها الميدانية وضمان نفوذها الاستراتيجي، بينما تصر كييف على استعادة أراضيها والحفاظ على سيادتها الكاملة. وبين هذين الموقفين، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى استراحة حذرة منها إلى اختراق سياسي حقيقي.
ومع ذلك، فإن مجرد نجاح تبادل الأسرى واستمرار قنوات الاتصال قد يشير إلى أن الحرب، رغم عنفها المستمر، بدأت تدخل مرحلة جديدة تُختبر فيها إمكانيات التفاوض بالتوازي مع استمرار المعارك.




