بعد نحو ستة أشهر من الحرب مع إيران، تعود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى واحدة من أقدم أدوات الضغط التي استخدمتها واشنطن ضد طهران: العقوبات الاقتصادية.
أعلنت الولايات المتحدة، الاثنين، حزمة جديدة من العقوبات طالت إيران وشبكة من الكيانات الدولية التي تتعامل معها تجارياً، وقدمتها الإدارة تحت عنوان لافت هو “يوم النصر الاقتصادي”، فيما أطلقت عليها رسمياً اسم “عملية المنبوذ الاقتصادي”.
لكن خلف اللغة الاحتفالية التي استخدمتها واشنطن، يقرأ محللون الخطوة بطريقة مختلفة. فبالنسبة إليهم، العودة إلى سلاح العقوبات بعد أشهر من العمليات العسكرية تشير إلى أن الحرب لم تحقق النتائج السياسية السريعة التي كانت إدارة ترامب تراهن عليها.
فبدلاً من أن تدفع الضربات العسكرية طهران إلى تقديم تنازلات، تبدو واشنطن الآن أمام محاولة جديدة للضغط على الاقتصاد الإيراني، على أمل أن ينجح ما لم تحققه القوة العسكرية.
من “النصر العسكري” إلى الضغط الاقتصادي
تأتي العقوبات الجديدة في وقت يطالب فيه ترامب القيادة الإيرانية بتقديم تنازلات رئيسية، من بينها التخلي عن مطالبها المتعلقة بمضيق هرمز والعودة إلى طاولة المفاوضات بشأن البرنامج النووي.
لكن مرور أشهر على الحرب لم يؤد، وفق المحللين، إلى إجبار طهران على قبول هذه الشروط.
وتقول نيغار مرتضوي، الزميلة البارزة في مركز السياسة الدولية، إن واشنطن عادت إلى الضغط الاقتصادي لأن الخيار العسكري لم يحقق النصر السريع الذي كانت الإدارة تتوقعه.
وترى أن تسمية الحملة بـ”يوم النصر الاقتصادي” تعكس، paradoxically، مشكلة أكبر: إذا كانت الحرب قد حققت أهدافها السياسية، فلماذا تحتاج واشنطن الآن إلى إعادة فرض أقصى قدر من الضغط الاقتصادي؟
ومن هذه الزاوية، تبدو العقوبات محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوة، لا إعلاناً عن نهاية الحرب.
حرب مكلفة.. من دون استسلام إيراني
يقول رايان كوستيلو، مدير السياسات في المجلس الوطني الإيراني الأميركي، إن الفارق الكبير في القدرات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني بالضرورة أن الحرب انتهت لصالح واشنطن.
فالولايات المتحدة تمتلك ترسانة عسكرية هائلة، واستطاعت توجيه ضربات مدمرة وقتل عدد من القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين.
لكن إيران تمكنت في المقابل من استخدام ترسانتها الكبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة لضرب أهداف وبنى تحتية حيوية، وإلحاق أضرار بمصالح مرتبطة بالطاقة والنقل.
ولهذا، يرى كوستيلو أن من الصعب وصف الحرب حتى الآن بأنها انتصار أميركي حاسم، معتبراً أن كلفتها على الطرفين كانت كبيرة.
مضيق هرمز.. سلاح إيران الأكثر تأثيراً
أحد أهم عناصر القوة الإيرانية في هذه المواجهة هو موقعها الجغرافي.
فمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، يمنح طهران قدرة على التأثير في الأسواق الدولية حتى في ظل تفوق الولايات المتحدة عسكرياً.
وقد أدى اضطراب حركة الملاحة عبر المضيق إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، بحيث امتدت آثار الحرب إلى مستهلكين بعيدين عن الشرق الأوسط.
وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنحو 40% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
وهنا تكمن مفارقة الحرب بالنسبة إلى واشنطن: فكلما طال أمد المواجهة، لم تعد آثارها محصورة في ساحة العمليات، وإنما بدأت تظهر في أسعار الطاقة والاقتصاد الأميركي نفسه.
“خطأ في الحسابات”
ترى تريتا بارسي، رئيسة معهد كوينسي، أن إدارة ترامب ارتكبت منذ البداية خطأً جوهرياً في تقدير رد الفعل الإيراني.
فواشنطن، بحسب هذا التحليل، افترضت أن التهديد بالحرب والضربات العسكرية سيدفعان طهران سريعاً إلى التراجع.
لكن إيران اختارت المقاومة، واستمرت في الرد رغم الخسائر التي تكبدتها.
وهذا يعني أن القوة العسكرية الأميركية أثبتت قدرتها على إلحاق أضرار هائلة بإيران، لكنها لم تثبت بالضرورة قدرتها على تحويل هذا التفوق العسكري إلى تنازل سياسي.
وهذه هي المشكلة التي تحاول العقوبات الجديدة معالجتها.
واشنطن تدفع ثمناً عسكرياً أيضاً
ولا تقتصر تكلفة الحرب على ما تعرضت له إيران.
فمع استمرار العمليات، استهلكت الولايات المتحدة كميات كبيرة من الذخائر وأنظمة الاعتراض، ما أثار مخاوف بشأن قدرة البنتاغون على الحفاظ على مخزوناته وإعادة بنائها بالسرعة المطلوبة.
وفي أواخر يوليو/تموز، خلص تحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى ثلاث سنوات على الأقل لإعادة بعض مخزونات الذخائر إلى مستويات ما قبل الحرب.
وقد رفض البيت الأبيض التقارير التي تحدثت عن نقص خطير في الذخائر، لكن محللين يقولون إن الضغوط على المخزونات حقيقية، حتى لو كانت مؤقتة.
المشكلة لا تتعلق فقط بالحرب مع إيران، وإنما بتأثيرها في قدرة الولايات المتحدة على الاستعداد لمواجهات محتملة في مناطق أخرى من العالم.
الصين حاضرة حتى في حسابات الذخيرة
أحد أكثر الجوانب حساسية بالنسبة إلى البنتاغون هو أن الموارد العسكرية الأميركية لا تعمل في فراغ.
فواشنطن تنظر إلى الصين باعتبارها المنافس الاستراتيجي الرئيسي على المدى الطويل، وبالتالي فإن إبقاء قدر كبير من القوات والذخائر والقدرات البحرية متركزاً في الشرق الأوسط يفرض تكلفة استراتيجية.
وتكشف تحركات البحرية الأميركية هذا الضغط.
فقد اضطرت وزارة الدفاع إلى إعادة توزيع بعض القطع البحرية، من بينها إرسال حاملة الطائرات جورج واشنطن من اليابان إلى الخليج لتحل محل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، التي بقيت في البحر فترة أطول من المخطط لها بسبب الحرب.
وبذلك، لم تعد المسألة مجرد عدد الصواريخ التي أُطلقت على إيران، وإنما كم من الوقت تستطيع الولايات المتحدة مواصلة الحرب من دون التأثير في قدرتها على الردع في مسارح أخرى؟
لماذا العقوبات الآن؟
من منظور إدارة ترامب، قد تكون العقوبات محاولة لخفض الحاجة إلى استمرار العمليات العسكرية المباشرة.
فإذا تمكنت واشنطن من زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني، فإنها قد تأمل في الوصول إلى النتيجة التي لم تحققها القوة العسكرية وحدها: دفع القيادة الإيرانية إلى التفاوض.
لكن الخبراء يشككون في أن تكون النتيجة مختلفة هذه المرة.
إيران خضعت لعقوبات أميركية ودولية واسعة لسنوات طويلة، وطورت خلال تلك الفترة شبكات تجارية ومالية بديلة، كما عززت علاقاتها مع دول مثل الصين وروسيا.
وبالتالي، فإن العقوبات الجديدة قد تزيد تكلفة التعامل مع إيران وتضغط على اقتصادها، لكنها لا تضمن أن تؤدي إلى استسلام سياسي.
معضلة ترامب: ماذا بعد العقوبات؟
المشكلة الأكبر أمام واشنطن هي أن العقوبات نفسها تحتاج إلى هدف سياسي واضح.
إذا كان الهدف هو إجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي، فإن السؤال هو: ما الذي ستقدمه الولايات المتحدة في المقابل؟
وإذا كان الهدف هو إجبارها على التخلي عن السيطرة أو النفوذ في مضيق هرمز، فكيف يمكن تحقيق ذلك من دون استمرار الضغط العسكري؟
أما إذا كان الهدف هو إجبار طهران على قبول نهاية الحرب بالشروط الأميركية، فإن قدرة العقوبات على تحقيق ذلك تعتمد على مدى استعداد إيران لتحمل المزيد من الضغوط.
وهنا يعود العامل الشعبي إلى الواجهة.
الضغط الاقتصادي قد يصيب المجتمع قبل النظام
العقوبات لا تعمل في فراغ سياسي.
فزيادة التضخم وتراجع العملة وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة قد تضغط بشدة على الإيرانيين العاديين، لكنها لا تعني بالضرورة أن الحكومة ستقدم التنازلات المطلوبة.
وقد يكون العكس صحيحاً في بعض الظروف: كلما شعرت القيادة الإيرانية أن هدف العقوبات هو إجبارها على الاستسلام، قد تصبح أكثر تشدداً في مواجهة واشنطن.
ولهذا فإن العقوبات يمكن أن تنتج أزمة اقتصادية من دون أن تنتج بالضرورة النتيجة السياسية التي تريدها الولايات المتحدة.
حرب لم تحسمها القوة
بعد أشهر من القتال، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من معادلة انتصار وهزيمة واضحة.
الولايات المتحدة أثبتت قدرتها على توجيه ضربات عسكرية هائلة إلى إيران، لكنها استهلكت في المقابل جزءاً مهماً من مواردها العسكرية، وأدخلت قواتها في مواجهة طويلة لم تكن نتائجها السياسية محسومة.
أما إيران، فقد تكبدت خسائر كبيرة، لكنها لم تُجبر على قبول الشروط الأميركية الأساسية.
وهذا يفسر، وفق الخبراء الذين استند إليهم التقرير، انتقال واشنطن من التركيز على القوة العسكرية إلى تعظيم الضغط الاقتصادي.
لكن هذا الانتقال يطرح سؤالاً أكثر إحراجاً من مجرد فعالية العقوبات:
هل تمثل العقوبات الجديدة استراتيجية جديدة لإنهاء الحرب، أم محاولة لتعويض فشل الاستراتيجية السابقة في تحقيق النصر الذي وعدت به إدارة ترامب؟
حتى الآن، لا توجد إجابة حاسمة.
لكن المؤكد أن “يوم النصر الاقتصادي” الذي أعلنته واشنطن يأتي في وقت لا تزال فيه الحرب مفتوحة، وطهران لم تستسلم، والجيش الأميركي يدفع كلفة متزايدة، بينما تبحث الإدارة الأميركية عن طريق آخر لإجبار إيران على الجلوس إلى الطاولة.
وهذا يجعل العقوبات الجديدة اختباراً لمدى قدرة واشنطن على تحويل الضغط الاقتصادي إلى مكسب سياسي، بعد أن عجزت القوة العسكرية وحدها عن حسم المواجهة.






