قبل أيام من انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، كثف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحركاته الدبلوماسية بإجراء اتصالين هاتفيين منفصلين مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في خطوة تعكس محاولة لإعادة تحريك الملف الأوكراني بعد أشهر من الجمود العسكري والسياسي.
ورغم أن نتائج الاتصالات لم تتضمن أي إعلان عن اختراق حقيقي، فإن توقيتها يحمل دلالات مهمة، إذ يأتي بينما تستعد دول الحلف لمناقشة مستقبل الدعم العسكري لكييف، والضمانات الأمنية طويلة الأمد، وإمكانية فتح نافذة جديدة للتفاوض.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى دخول القمة وهي تمتلك صورة أوضح عن مواقف طرفي الحرب، وربما استكشاف مدى استعداد كل منهما للانتقال من المواجهة العسكرية إلى مسار تفاوضي أكثر جدية.
موسكو تتمسك بمنطق الميدان
بحسب الكرملين، استغرقت المكالمة بين بوتين وترامب نحو ساعة ونصف، وتركزت على تطورات الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى ملفات الشرق الأوسط وإيران.
وأراد الرئيس الروسي، وفق الرواية الرسمية، أن ينقل لترامب صورة تؤكد استمرار تقدم القوات الروسية على جبهات القتال، في رسالة تعكس تمسك موسكو بفكرة أن الوقائع العسكرية يجب أن تكون أساس أي تسوية سياسية مستقبلية.
ويتزامن هذا الخطاب مع إعلان روسيا سيطرتها على مدينة كوستيانتينيفكا في منطقة دونيتسك، وهو إعلان سارعت كييف إلى نفيه، مؤكدة أن المعارك لا تزال مستمرة وأن القوات الأوكرانية تحتفظ بمواقعها داخل المدينة.
ولا يعد هذا التباين جديدًا، إذ أصبحت البيانات العسكرية الصادرة عن الطرفين جزءًا من الحرب الإعلامية الموازية للقتال الميداني، حيث يسعى كل طرف إلى إظهار أنه يحقق تقدماً ويملك زمام المبادرة.
زيلينسكي يتمسك بخيار التفاوض… ولكن بشروط
في المقابل، حمل الاتصال بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نبرة أكثر تفاؤلًا، إذ أكد الأخير وجود “احتمال حقيقي لإنهاء هذه الحرب”، مشيرًا إلى أن الموقف الأمريكي يظل عاملًا حاسمًا في أي مسار سياسي مقبل.
ويعكس هذا التصريح إدراك كييف أن استمرار الدعم الغربي، ولا سيما الأمريكي، يمثل أحد أهم عناصر صمودها العسكري، كما أن أي مبادرة سياسية لن تكون قابلة للحياة دون دور مباشر من واشنطن.
غير أن حديث زيلينسكي عن فرص إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة اقتراب اتفاق، بقدر ما يعكس رغبة أوكرانيا في الحفاظ على الزخم الدبلوماسي بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية.
قمة الناتو… أكثر من اجتماع عسكري
تكتسب قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة أهمية استثنائية هذا العام، ليس فقط بسبب استمرار الحرب في أوكرانيا، وإنما أيضًا لأنها تأتي في ظل تغيرات سياسية ودبلوماسية متسارعة على الساحة الدولية.
ومن المتوقع أن يناقش قادة الدول الأعضاء مستقبل المساعدات العسكرية لكييف، ومستوى التنسيق مع الإدارة الأمريكية، إضافة إلى تقييم فرص التوصل إلى تسوية سياسية إذا توافرت الظروف المناسبة.
وفي هذا السياق، تبدو الاتصالات التي أجراها ترامب مع كل من بوتين وزيلينسكي محاولة لقياس المسافة الفاصلة بين مواقف الطرفين قبل بدء المناقشات داخل الحلف.
لماذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود؟
رغم تعدد المبادرات خلال العامين الماضيين، لا تزال الهوة واسعة بين موسكو وكييف.
فروسيا تشترط اعتراف أوكرانيا بالسيطرة الروسية على الأراضي التي ضمتها، وانسحاب القوات الأوكرانية من كامل إقليم دونيتسك، إلى جانب معالجة ما تعتبره تهديدًا ناجمًا عن توسع حلف الناتو شرقًا.
أما أوكرانيا، فترفض أي تسوية تقوم على التنازل عن أراضيها، وتعتبر استعادة سيادتها الكاملة شرطًا أساسيًا لإنهاء الحرب، مع الإصرار على الحصول على ضمانات أمنية تمنع تكرار الصراع مستقبلًا.
وبين هذين الموقفين، تبدو فرص الوصول إلى اتفاق شامل محدودة في الوقت الراهن، رغم استمرار الاتصالات السياسية.
حرب تتغير طبيعتها
في الميدان، لم تعد الحرب تشهد التحركات الواسعة التي ميزت مراحلها الأولى، بل تحولت تدريجيًا إلى حرب استنزاف تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة، والهجمات بعيدة المدى، والمدفعية الدقيقة.
وقد أدى الانتشار الكثيف للطائرات بدون طيار إلى تقليص قدرة الدبابات والآليات الثقيلة على المناورة، وهو ما ساهم في إبطاء تقدم القوات على معظم الجبهات، ورفع كلفة العمليات العسكرية على الطرفين.
ولذلك، فإن السيطرة على المدن أو القرى لم تعد بالسرعة التي كانت عليها في بداية الحرب، بل أصبحت تتطلب معارك طويلة تستنزف الموارد البشرية والعسكرية.
هل تمهد الاتصالات لاختراق سياسي؟
لا تشير المؤشرات الحالية إلى اقتراب اتفاق ينهي الحرب، لكن الاتصالات المتزامنة التي أجراها ترامب مع بوتين وزيلينسكي تعكس عودة الدبلوماسية إلى واجهة المشهد، بعد فترة طغت فيها لغة السلاح.
ومع اقتراب قمة الناتو، تبدو واشنطن حريصة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طرفي النزاع، سواء لتجنب مزيد من التصعيد، أو لاستكشاف إمكانية إطلاق مسار تفاوضي جديد إذا توافرت الظروف المناسبة.
لكن في ظل استمرار المعارك، وتمسك كل طرف بشروطه الأساسية، يبقى المشهد الأوكراني محكومًا بمعادلة معقدة، عنوانها أن أي تقدم على طاولة المفاوضات سيظل مرتبطًا بما يحققه كل طرف على أرض المعركة، وهو ما يجعل فرص السلام حتى الآن رهينة التوازنات العسكرية أكثر من التفاهمات السياسية.






