أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة واسعة من الانتقادات بعد نشره مقطع فيديو على منصة «تروث سوشيال»، تضمن في ثوانيه الأخيرة صورة مركّبة لباراك وميشيل أوباما على أجساد قرود، في مشهد وُصف على نطاق واسع بأنه يحمل إيحاءات عنصرية مسيئة.
الفيديو، الذي نُشر في وقت متأخر من ليل الخميس، بقي متداولاً قرابة اثنتي عشرة ساعة قبل أن يتم حذفه، إلا أن انتشاره السريع حوّله إلى قضية سياسية داخلية، وأعاد إلى الواجهة الجدل المزمن حول خطاب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي وحدود المسؤولية الرئاسية.
ترامب يرفض الاعتذار ويتمسك بالرواية التقنية
وخلال حديثه للصحفيين على متن طائرة الرئاسة الأميركية يوم الجمعة، رفض ترامب الاعتذار عن نشر الفيديو، مؤكداً أنه لم يشاهد المقطع بالكامل، وأن تركيزه كان منصباً على الجزء المتعلق بما وصفه بـ«تزوير الانتخابات».
وقال ترامب إنه شاهد بداية الفيديو فقط قبل أن يرسله إلى «أشخاص» لم يسمّهم لنشره على حسابه، مضيفاً أنه لم يكن على علم بإضافة صور أوباما في نهايته.
وبرر موقفه بالقول إنه يراجع «آلاف الأمور» يومياً، وإنه لا يرى أنه ارتكب خطأ، معتبراً أن الفيديو كان «منشوراً قوياً للغاية» فيما يخص مزاعم التلاعب بالانتخابات.
دفاع البيت الأبيض ومحاولة احتواء الغضب
في محاولة لاحتواء تداعيات الحادثة، دافعت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت عن المنشور، معتبرة أن موجة الغضب التي رافقته «مصطنعة».
وأوضحت أن صورة القرد جاءت ضمن فيديو ساخر متداول على الإنترنت، يصوّر ترامب في دور «ملك الغابة»، فيما يُجسَّد خصومه الديمقراطيون على أنهم شخصيات من فيلم «الأسد الملك»، في إشارة إلى أن السياق الأصلي للفيديو لا يستهدف أوباما تحديداً.
لاحقاً، قال مسؤولون في البيت الأبيض إن أحد الموظفين هو من نشر الفيديو «عن طريق الخطأ»، قبل أن يتم حذفه في منتصف نهار الجمعة.
انتقادات نادرة من داخل المعسكر الجمهوري
ما جعل الأزمة أكثر حساسية لترامب هو أن موجة الإدانة لم تأتِ من الديمقراطيين فقط، بل شملت عدداً من كبار الجمهوريين.
فقد وصف السيناتور تيم سكوت، الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، والعضو الأسود الوحيد في مجلس الشيوخ، والمنسق البارز داخل الحزب، الفيديو بأنه «أكثر شيء عنصري رآه صادراً عن هذا البيت الأبيض».
وانضم عدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب من الحزب الجمهوري إلى هذا الموقف، ودعا بعضهم صراحةً الرئيس إلى تقديم اعتذار علني، في خطوة نادرة تعكس حرجاً داخلياً داخل الحزب.
محاولة ترميم العلاقة مع تيم سكوت
في خضم هذه الانتقادات، سعى ترامب إلى التقليل من حدة الخلاف مع السيناتور سكوت، مؤكداً أنه تحدث معه هاتفياً يوم الجمعة.
ووصف ترامب سكوت بأنه «رجل عظيم»، وقال إن الاتصال كان «جيداً للغاية»، في إشارة إلى حرصه على احتواء التوتر مع أحد أبرز وجوه الحزب الجمهوري في ملف الأقليات.
رهان ترامب على دعم الأقليات رغم الجدل
وفي تعليق لافت، رفض ترامب فكرة أن هذه الواقعة قد تضر بشعبيته بين الناخبين من الأقليات، وهي الفئة التي حقق بينها تقدماً نسبياً خلال انتخابات عام 2024.
واستحضر في حديثه إنجازات ولايته الأولى، ولا سيما تشريعات إصلاح نظام العدالة الجنائية، إضافة إلى جهوده في دعم وتمويل الكليات والجامعات السوداء التاريخية، في محاولة لتأكيد أنه لا يرى تعارضاً بين سجله السياسي وبين الانتقادات الحالية.
أزمة رمزية في لحظة سياسية حساسة
على الرغم من أن البيت الأبيض سارع إلى حذف الفيديو وتقديم تفسير تقني لملابسات نشره، فإن الحادثة تعكس استمرار نمط الجدل المرتبط باستخدام ترامب لمنصات التواصل الاجتماعي، وارتباط هذا الأسلوب بتوترات متكررة حول قضايا الهوية والتمييز.
وفي مرحلة يسعى فيها الرئيس إلى ترسيخ مكاسبه الانتخابية بين شرائح أوسع من الناخبين، يبدو أن هذا الجدل، حتى وإن كان عابراً زمنياً، يحمل كلفة رمزية وسياسية يصعب تجاهلها، خصوصاً عندما يأتي النقد من داخل صفوف حزبه نفسه.






