أعلنت تركيا رسميًا إنهاء اتفاقية تصدير النفط الموقعة مع العراق منذ عام 1973، على أن يدخل الإلغاء حيّز التنفيذ في يوليو/تموز 2026. هذه الخطوة تمثل تحولاً استراتيجيًا يرتبط بجملة من العوامل السياسية والاقتصادية والقانونية، على رأسها نزاع تحكيمي دولي والتغيرات المتسارعة في خارطة الطاقة الإقليمية.
الاتفاقية الموقعة عام 1973 كانت تنص على نقل النفط العراقي من حقول كركوك إلى ميناء جيهان التركي ومنه إلى الأسواق العالمية، مع بند يتيح لأي من الطرفين إلغاؤها بشرط إخطار الطرف الآخر قبل عام من تاريخ سريان الإلغاء.
التحول التركي يأتي في أعقاب تغريم أنقرة نحو 1.5 مليار دولار في قضية متعلقة بتصدير نفط إقليم كردستان دون موافقة بغداد، وهو ما دفع تركيا إلى إعادة النظر في الاتفاقية القديمة، تمهيدًا لصياغة إطار قانوني جديد يواكب المصالح المتغيرة للطرفين في ظل واقع طاقوي وجيوسياسي متبدل.
معادلة جديدة للربح والخسارة
قرار أنقرة يعيد طرح أسئلة حول مآلات العلاقة النفطية مع العراق، ومدى تضرر أو استفادة بغداد وأربيل وتركيا من هذه الخطوة. فبينما كانت تركيا تتقاضى نحو 16 دولارًا على كل برميل من نفط الإقليم يُصدَّر عبر أراضيها، كانت تحصل على أقل من دولارين مقابل كل برميل من نفط شركة سومو العراقية، وهو فارق اقتصادي لعب دورًا مهمًا في قرار الإلغاء.
من جهتها، تجد بغداد نفسها في موقف حرج. فبينما تسعى الحكومة إلى الحفاظ على تدفق الصادرات النفطية، تواجه تحديات حقيقية تتعلق بفقدان أحد أهم منافذ التصدير، خاصة في ظل عدم وجود بدائل جاهزة أو مسارات تصدير جديدة يمكن تفعيلها في المدى القريب، مثل الخط الممتد عبر الأراضي السورية.
تركيا، من ناحيتها، يبدو أنها تراهن على التفاوض على اتفاق جديد يمنحها شروطًا أفضل ومكاسب اقتصادية أعلى، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن ورقة الضغط المتعلقة بملف المياه، وكذلك من الانقسام القائم بين بغداد وأربيل بشأن عوائد تصدير النفط.
ارتدادات سياسية واقتصادية على العراق
معتمدًا بنسبة تزيد على 90% من موازنته على إيرادات النفط، يُتوقع أن يواجه العراق ارتدادات اقتصادية قاسية جراء القرار التركي، خاصة إن استمر غياب الرد الحكومي الواضح حتى اللحظة، رغم أهمية وخطورة الملف. في المقابل، لا تزال وزارة النفط العراقية تؤكد وجود مفاوضات مستمرة مع أنقرة منذ منتصف 2024، لكنها لم تسفر عن تمديد الاتفاقية.
الجانب التركي، بحسب مصادر مطلعة، بعث بمسودة جديدة تشمل التعاون في مجالات أوسع مثل الغاز والصناعات البتروكيميائية، في إطار إعادة هيكلة كاملة للعلاقة الاقتصادية في قطاع الطاقة بين البلدين. ويُتوقع أن يشمل الاتفاق المقبل بنودًا أكثر شمولًا وطابعًا استراتيجيًا بعيد المدى.
إقليم كردستان: الخاسر الأكبر؟
اللافت في المشهد أن الخاسر الأبرز يبدو إقليم كردستان، الذي كان يعتمد على خط كركوك – جيهان لتصدير ما يصل إلى 550 ألف برميل يوميًا. ومنذ صدور قرار التحكيم الدولي، توقف هذا التصدير، ما وضع الإقليم أمام تحديات مالية واقتصادية كبرى، خاصة في ظل تجميد بغداد لرواتب موظفي الإقليم نتيجة غياب التنسيق حول إيرادات النفط.
تركيا، من جانبها، تستخدم هذا الضغط لإعادة تشكيل علاقتها النفطية مع الإقليم بمعزل عن بغداد، مستندة إلى شبكة واسعة من الشركات التركية الناشطة في الإقليم في مجالات الإنتاج والنقل والتكرير والتسويق.
أنقرة تعيد رسم المشهد الطاقوي
بعيدًا عن الجدال القانوني، تسعى تركيا إلى تحقيق مكاسب إستراتيجية عبر الاتفاقية الجديدة، في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز وتعاظم أهمية الممرات البديلة لنقل الطاقة. ويبرز هنا ميناء جيهان كمنفذ محوري يمكن أن يمنح أنقرة دورًا مركزيًا في أمن الطاقة الإقليمي.
المفاوضات الجارية تشير إلى أن البلدين يرغبان في التوصل لاتفاق جديد قبل يوليو 2026، مع استمرار تدفق النفط إلى جيهان خلال هذه الفترة الانتقالية. ويبدو أن كلا الطرفين يدرك أهمية استقرار العلاقة الطاقوية بينهما، رغم التحديات الراهنة.
ختامًا: مستقبل غامض وتحولات قيد التشكل
بينما تعكس خطوة أنقرة رغبة في التحرر من قيود الاتفاقية القديمة والانفتاح على ترتيبات طاقوية جديدة، فإن العراق مطالب بإعادة صياغة رؤيته الاستراتيجية لعلاقته مع تركيا من زاوية اقتصادية وسياسية وقانونية، لتجنب المزيد من الخسائر المحتملة.
وفيما تتجه الأنظار إلى الاتفاق المرتقب، فإن التحدي الأكبر يكمن في قدرة بغداد على التفاوض بشروط متوازنة تضمن لها حقوقها السيادية وتحمي تدفق صادراتها النفطية، في وقت تبدو فيه معادلات القوة الجيوسياسية في المنطقة آخذة في التبدل سريعًا.







