شهدت العاصمة اليمنية صنعاء، الأحد، غارات جوية إسرائيلية وُصفت بأنها الأعنف منذ أشهر، في حلقة جديدة من التصعيد العسكري المتبادل بين إسرائيل وجماعة الحوثي المدعومة من إيران. وأعلنت قناة “المسيرة” التابعة للحوثيين أن ما سمّته “عدواناً صهيونياً” استهدف وسط العاصمة، بينما أكد شهود عيان وقوع قصف ثانٍ في منطقة الستين الجنوبي، ما أسفر عن سقوط ضحايا لم تُعرف حصيلتهم بعد.
الهجوم يأتي بعد أسبوع فقط من ضربات إسرائيلية طالت محطة حزيز لتوليد الكهرباء جنوب صنعاء، في وقت يتزايد فيه حضور اليمن كساحة مواجهة إقليمية متقدّمة في سياق الحرب الدائرة في غزة.
سياق المواجهة: من غزة إلى البحر الأحمر
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عقب هجوم حركة حماس على جنوب إسرائيل، تحوّلت جبهة الحوثيين إلى أحد أخطر خطوط الاشتباك مع الدولة العبرية. فالجماعة التي تسيطر على مناطق واسعة من اليمن، بما في ذلك صنعاء، كثّفت إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، فضلاً عن استهدافها سفناً تجارية في البحر الأحمر بدعوى ارتباطها بالموانئ الإسرائيلية.
إسرائيل من جانبها، لم تكتف بالتصدي لهذه الهجمات عبر منظوماتها الدفاعية، بل اتجهت منذ يوليو/تموز 2024 إلى سياسة الرد المباشر بقصف مواقع داخل اليمن، محاولةً فرض معادلة ردع جديدة في مواجهة الحوثيين.
تحذيرات إسرائيلية متكرّرة
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس جدّد الأحد الماضي تحذيره من أن الحوثيين “سيدفعون ثمناً باهظاً لكل محاولة إطلاق نحو إسرائيل”، وهو تحذير ليس الأول من نوعه، إذ سبق أن لوّح في يونيو/حزيران بإمكانية فرض حصار بحري وجوي على اليمن. هذه التهديدات تعكس خشية إسرائيل من توسّع نطاق الحرب، خاصة بعد تصاعد هجمات الحوثيين البحرية التي تهدّد التجارة العالمية.
صاروخ برأس حربي متشظٍ: نقطة تحوّل خطيرة
التحقيقات الإسرائيلية الأخيرة كشفت عن تطوّر نوعي في ترسانة الحوثيين. فقد أعلن سلاح الجو أن الصاروخ الذي أُطلق يوم الجمعة الماضي باتجاه وسط إسرائيل كان مجهزاً برأس حربي قابل للانشطار، وهي المرة الأولى التي يُستخدم فيها هذا النوع من الأسلحة من قبل الجماعة.
وبحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن هذا التطور يحمل دلالات خطيرة، إذ يعيد إلى الأذهان الصواريخ الإيرانية التي أُطلقت خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران الماضي، والتي تسببت في انتشار ذخائر صغيرة على مساحات واسعة. صحيفة “يديعوت أحرونوت” نقلت بدورها عن المؤسسة الأمنية قلقها من إمكانية امتلاك الحوثيين تكنولوجيا مماثلة لتلك التي استخدمتها إيران.
إخفاق دفاعي يثير الجدل
رغم امتلاك إسرائيل واحدة من أكثر منظومات الدفاع الجوي تطوراً في العالم، فإن الصاروخ الحوثي الأخير تمكّن من اختراقها، وأصاب منزلاً في مستوطنة غينتون قرب اللد دون أن يخلف إصابات. الجيش الإسرائيلي سارع إلى التوضيح بأن فشل الاعتراض لا علاقة له بنوع الصاروخ، مؤكداً أن “القبة الحديدية” وبقية الأنظمة قادرة على التعامل مع هذا الطراز، غير أن الحادثة فتحت باب الجدل داخلياً حول فعالية الدفاعات في مواجهة تهديدات متعددة المصادر.
الحوثيون يتبنّون ويصعّدون
في بيان رسمي، أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، مسؤولية الجماعة عن إطلاق “صاروخ باليستي فرط صوتي من نوع فلسطين 2” على مطار بن غوريون في اللد. كما نشر القيادي الحوثي نصر الدين عامر مقطع فيديو يوثّق لحظة تفكك الصاروخ، في رسالة تهدف إلى تعزيز مصداقية الجماعة داخلياً وخارجياً.
ويبدو أن هذه العملية تندرج في سياق قرار الحوثيين المعلن منذ يوليو/تموز الماضي بتوسيع عملياتهم البحرية والعسكرية ضد إسرائيل، عبر استهداف أي سفينة مرتبطة بموانئها “بغض النظر عن جنسيتها”، في خطوة يعتبرونها جزءاً من “نصرة غزة”.
غزة: الجرح المفتوح في قلب الصراع
يستمد الحوثيون جزءاً كبيراً من شرعية تحركاتهم العسكرية من الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، والتي خلّفت حتى الآن أكثر من 62 ألف قتيل وقرابة 158 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى آلاف المفقودين وموجات نزوح كبرى. تقارير دولية حذّرت من مجاعة تسببت بالفعل في وفاة مئات الفلسطينيين، بينهم عشرات الأطفال، وهو ما يمنح الحوثيين مادة دعائية قوية لتبرير انخراطهم العسكري تحت شعار “الدفاع عن فلسطين”.
نحو مواجهة إقليمية أوسع؟
الهجوم الإسرائيلي الأخير على صنعاء وإعلان الحوثيين عن امتلاكهم لصواريخ متقدمة يكشفان عن تحوّل اليمن إلى ساحة مواجهة مباشرة في الصراع الإسرائيلي ـ الإيراني. وبينما تراهن إسرائيل على الضربات الاستباقية وردع الحوثيين عبر القوة الجوية، تراهن الجماعة على استنزاف تل أبيب بالصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة الدولية.
ومع استمرار حرب غزة دون أفق سياسي للحل، تبدو المنطقة أمام خطر حقيقي بانزلاق الصراع إلى مستويات أوسع، حيث لم يعد البحر الأحمر ولا سماء صنعاء بعيدين عن قلب المعركة الدائرة في فلسطين.






