تشير التطورات الأخيرة في قطاع غزة إلى دخول الحرب مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً، مع تصاعد القصف الإسرائيلي على أطراف مدينة غزة، الشرقية والشمالية، واستهدافها المتواصل لمناطق مأهولة بالسكان ومخيمات النازحين. شهادات السكان في أحياء الزيتون والشجاعية والصبرة وجباليا عكست واقعاً يومياً من الانفجارات والدمار، فيما تحدثت المصادر الفلسطينية عن إصابات في صفوف المدنيين جراء قصف استهدف خيام النازحين غرب المدينة، في وقت امتدت الغارات إلى وسط وجنوب القطاع، بما في ذلك المغازي وخان يونس. هذا التوسع في العمليات ينسجم مع ما أعلنته هيئة البث الإسرائيلية عن بدء تنفيذ خطة “عربات جدعون 2″، التي تمثل تمهيداً لاحتلال مدينة غزة وتوسيع النشاط العسكري فيها.
تسوية غزة بالأرض
الجيش الإسرائيلي بدوره أكد أنه أعاد الانتشار في جباليا خلال الأيام الماضية لتفكيك أنفاق وتعزيز السيطرة، معتبراً أن هذه الخطوات ستفتح المجال لتوسيع رقعة القتال ومنع مقاتلي حماس من العودة. في المقابل، يعكس خطاب وزير الدفاع يسرائيل كاتس طبيعة التوجه الإسرائيلي، إذ توعد بتسوية مدينة غزة بالأرض إن لم تقبل حماس شروط إسرائيل. تصريحات كهذه تكشف طبيعة الرهان الإسرائيلي على استخدام أقصى درجات القوة العسكرية للضغط على الحركة ودفعها نحو القبول بوقف الحرب وفق الشروط الإسرائيلية.
غير أن التحدي الأساسي أمام الجيش الإسرائيلي يظل مرتبطاً بما يصفه بـ”مترو حماس”، أي شبكة الأنفاق المعقدة التي كشفت مصادر عسكرية لوسائل إعلام غربية أنها أكثر تشابكاً واستراتيجية مما كان متوقعاً، إذ تضم مراكز أكبر وفروعاً تسمح بمباغتة القوات الإسرائيلية. هذا البعد يفسر تردد إسرائيل في اقتحام قلب مدينة غزة على نحو واسع حتى الآن، رغم إعلانها خطة للسيطرة الكاملة عليها. ويبدو أن الهدف من الانتظار هو منح الوسطاء، مصر وقطر، فرصة لمحاولة إحياء المفاوضات، بما قد يتيح لتل أبيب تخفيف الضغط الدولي المتزايد عليها في حال أقدمت على اجتياح شامل.
جوع كارثي
الوضع الإنساني يضيف بعداً أكثر قتامة. إعلان الأمم المتحدة رسمياً حالة المجاعة في غزة يضع المجتمع الدولي أمام صورة كارثية، خصوصاً مع تقديرات تفيد بأن المجاعة قد تنتشر خلال أسابيع إلى مناطق أخرى مثل دير البلح وخان يونس. أرقام الوفيات الناتجة عن الجوع وسوء التغذية والتي تجاوزت 280 شخصاً، بينهم أطفال، تؤكد حجم الكارثة، في وقت يواجه أكثر من نصف مليون شخص مستوى “جوع كارثي”. إسرائيل رفضت هذه التقديرات ووصفتها بـ”الكذب الصريح”، وهو ما يعكس التباين الكبير بين الرواية الإسرائيلية وروايات المؤسسات الدولية والفلسطينية حول حجم الكارثة.
في الميدان، يعيش المدنيون بين خيارين أحلاهما مرّ: النزوح المتكرر بحثاً عن مكان آمن لا يوجد في الواقع، أو البقاء في منازلهم تحت القصف. شهادات السكان تكشف حالة من الانهاك واليأس، إذ يعجز كثيرون عن تحمل تكاليف النزوح أو حتى شراء خيمة، في ظل فقدان مقومات الحياة الأساسية من غذاء ودواء وأمن. هذه المعاناة الإنسانية تتزامن مع الاستعداد الإسرائيلي لمواصلة العمليات العسكرية بعمق أكبر، وهو ما يجعل المدنيين الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للخطر في أي اجتياح بري واسع.
خسائر غير مسبوقة
الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 لا تزال مفتوحة على احتمالات أكثر مأساوية. إسرائيل، التي تكبدت خسائر غير مسبوقة في هجوم حماس، تركز اليوم على استكمال معركتها في غزة باعتبارها المعقل الأخير للحركة، بينما يعاني القطاع من دمار غير مسبوق وخسائر بشرية تجاوزت 62 ألف قتيل وفق وزارة الصحة الفلسطينية. وفي ظل غياب أفق سياسي حقيقي، واستمرار المواقف المتشددة من الطرفين، يبدو أن الكلفة الإنسانية ستواصل التصاعد، فيما تترسخ صورة مدينة غزة كمركز الصراع الذي قد يحدد مستقبل الحرب بأكمله.






