حذّر تقرير جديد صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية من أن تسارع الصين في بناء وتحديث قدراتها العسكرية يجعل الأراضي الأمريكية أكثر عرضة لمجموعة واسعة من التهديدات، معتبراً أن هذه التطورات تمثل خطراً مباشراً على أمن المواطنين الأمريكيين. التقرير، الذي أُعد بتكليف من الكونغرس ويقع في نحو مئة صفحة، نُشر يوم الثلاثاء، ويقدّم تقييماً سنوياً للتوازن العسكري بين واشنطن وبكين.
ويخلص التقرير إلى أن جهود الإدارة الأمريكية لتحسين العلاقات مع الصين لم تمنع بكين من توسيع قدراتها في مجالات استراتيجية حساسة، تشمل الفضاء والفضاء الإلكتروني والقدرات النووية. ويشير إلى أن جيش التحرير الشعبي الصيني يسير بخطى ثابتة نحو تنفيذ توجيهات الرئيس شي جين بينغ بأن يكون قادراً، بحلول عام 2027، على تحقيق ما وصفه التقرير بـ«نصر استراتيجي حاسم» على تايوان إذا صدرت الأوامر بذلك، مضيفاً أن الصين تتوقع عملياً أن تكون قادرة على خوض حرب ضد الجزيرة والانتصار فيها مع نهاية ذلك العام.
ويذكر التقييم أن الصين أجرت خلال عام 2024 اختبارات عملية على عناصر أساسية من سيناريوهات غزو تايوان، شملت تدريبات على استهداف أهداف بحرية وبرية، ومحاكاة ضرب القوات الأمريكية في المحيط الهادئ، وعرقلة الوصول إلى الموانئ الرئيسية. ويرى معدّو التقرير أن هذه الأنشطة تعكس استعداداً متزايداً لعمليات عسكرية واسعة النطاق.
وفي مجال الفضاء، يشير التقرير إلى أن الصين ضاعفت ثلاث مرات عدد منصات أقمارها الصناعية المخصصة للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع منذ عام 2018 وحتى يناير 2024. وبحسب التقييم، فإن هذه القدرات، إلى جانب التوسع المستمر في منظومة الاستطلاع الفضائي لجيش التحرير الشعبي، عززت بشكل كبير قدرة بكين على مراقبة وتتبع واستهداف القوات الأمريكية وقوات حلفائها، سواء على الأرض أو في المدار.
أما على الصعيد النووي، فيوضح التقرير أن مخزون الصين من الرؤوس النووية بلغ نحو 600 رأس حتى عام 2024، ما يعكس تباطؤاً نسبياً في وتيرة الإنتاج مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن التوسع النووي لا يزال واسع النطاق. ووفق التقييم، فإن الجيش الصيني ما زال في طريقه لامتلاك أكثر من ألف رأس نووي بحلول عام 2030، في إطار تعزيز قدراته الردعية.
كما يتناول التقرير ما وصفه بتحميل الجيش الصيني لأكثر من مئة صومعة صواريخ باليستية عابرة للقارات تعمل بالوقود الصلب بصواريخ من طراز «دي إف-31»، في خطوة يُرجّح أنها تهدف إلى دعم قدرات الإنذار المبكر والردع والهجوم المضاد. ويضيف أن الصين أطلقت في سبتمبر 2024 صاروخاً باليستياً عابراً للقارات غير مسلح في المحيط الهادئ، في أول اختبار من نوعه منذ عام 1980، في خطوة اعتُبرت تدريباً على الردع النووي في زمن الحرب، رغم أن بكين أخطرت واشنطن بالاختبار دون أن تحذر بعض دول الجوار.
وفي المجال السيبراني، يشير التقرير إلى أن الجهات الإلكترونية الصينية واصلت خلال عام 2024 تنفيذ عمليات تجسس إلكتروني واسعة النطاق، إلى جانب نشر قدرات هجومية مسبقة ضد الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها، بما يتماشى مع هدف بكين في تحقيق تفوق معلوماتي. كما لفت إلى الهجمات السيبرانية المنسوبة إلى مجموعات مثل “Salt Typhoon” و“Volt Typhoon”.
ويتطرق التقييم أيضاً إلى تعمق العلاقات العسكرية بين الصين وروسيا، مشيراً إلى أن البلدين نفذا في يوليو 2024 أول دورية مشتركة لقاذفات استراتيجية فوق منطقة تحديد الدفاع الجوي الأمريكية في ألاسكا، قبل أشهر من قيامهما بأول دورية مشتركة لخفر السواحل في بحر بيرينغ. ويرى التقرير أن بكين وموسكو عززتا شراكتهما الاستراتيجية، مدفوعتين بمصلحة مشتركة في مواجهة الولايات المتحدة، من دون أن يصل ذلك إلى مستوى تحالف دفاعي رسمي.
ويأتي نشر هذا التقرير بعد أسابيع من إعلان إدارة ترامب استراتيجيتها للأمن القومي، التي ركزت بشكل أساسي على نصف الكرة الغربي، وتعاملت مع الصين من زاوية اقتصادية بالدرجة الأولى، إذ لم يرد ذكر بكين إلا بشكل محدود في الوثيقة. وفي هذا السياق، كان الرئيس دونالد ترامب قد أكد في تصريحات سابقة أن علاقات بلاده مع الصين «ممتازة»، وأنه يتمتع بعلاقة جيدة مع الرئيس شي جين بينغ، نافياً النظر إلى بكين باعتبارها خصماً مباشراً.
ويحاول تقرير البنتاغون الأخير الموازنة بين هذا الخطاب الدبلوماسي المتفائل والتقييم العسكري الصارم. إذ يؤكد أن العلاقات الأمريكية-الصينية شهدت تحسناً في ظل قيادة ترامب، وأن وزارة الدفاع ستدعم الجهود الرامية إلى البناء على هذا التقدم، لكنها تشدد في الوقت ذاته على ضرورة بقاء القوات الأمريكية في أعلى درجات الجاهزية للدفاع عن المصالح الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويختم التقرير بالتأكيد على أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى خنق الصين أو السيطرة عليها أو إذلالها، بل إلى حماية مصالحها ضمن نطاق وصفه بالمحدود والمعقول.






