بخطاب يمكن وصفه بأنه امتداد لخطاب القسم، أطلّ الرئيس اللبناني العماد جوزف عون من مقر وزارة الدفاع عشية العيد الثمانين للجيش، ليعلن – بنبرة لا لبس فيها – بداية معركة سياسية عنوانها: حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني. خطوة تأتي قبل أيام من جلسة حاسمة لمجلس الوزراء مخصصة لهذا الملف، وبعد تصريحات نارية من حزب الله عبر نائب أمينه العام نعيم قاسم الذي رأى أن الدعوة لتسليم السلاح “تخدم إسرائيل”. وما كاد الرئيس ينهي كلمته، حتى كانت إسرائيل قد بدأت غارات مكثفة على الجنوب والبقاع، حصدت ضحايا وخلفت دمارًا، وكأنها أرادت الرد بالنار على خطاب الدولة.
في خطابه، لم يوارب الرئيس عون. كان واضحًا في تحديد اتجاه المرحلة: الرهان الوحيد المقبول هو على الدولة، لا على أي فئة أو محور أو سلاح موازٍ. ودعا من سمّاهم “الذين واجهوا العدوان وبيئتهم الوطنية الكريمة” إلى ألا يُضحّوا بتضحياتهم مرتين، مؤكدًا أن الدولة وحدها يجب أن تكون الحصن الحامي، والجيش وحده هو من يحمل سلاح الدفاع عن السيادة.
كلمات عون، القادمة من خلفية عسكرية صلبة وتجربة عميقة في صفوف الجيش، جاءت لتعيد وضع النقاط على الحروف في ملف طالما كان محور انقسام لبناني داخلي وتجاذب إقليمي. من موقعه كقائد أعلى للقوات المسلحة، أعاد تظهير معادلة الدولة مقابل اللادولة، وذكر اللبنانيين بأن بناء وطن يحترم الشهداء ويتجاوز الحروب والانقسامات، لا يمكن أن يتم في ظل ازدواجية القرار العسكري أو التباين في الولاءات.
في خلفية الخطاب، كان الحاضر الأكبر هو السياق الإقليمي والدولي المتغير، حيث تتزايد الضغوط على لبنان لإثبات جديته في تثبيت الاستقرار وضبط السلاح، خصوصًا بعد وقف إطلاق النار الأخير الذي لم تلتزم به إسرائيل، والتي استمرت في انتهاك السيادة اللبنانية في الجو والبر والبحر. ورغم هذه الخروقات، شدد عون على أن الرد لا يكون عبر جبهات متفلتة أو حسابات فئوية، بل من خلال جيش وطني موحد، مدعوم بإجماع داخلي ودعم خارجي.
وعلى الأرض، استند الرئيس في خطابه إلى وقائع ملموسة: أداء الجيش اللبناني في الجنوب بعد وقف النار، دوره في جمع السلاح من المنطقة الممتدة جنوب الليطاني، وشهادات اللجنة العسكرية الخماسية التي تؤكد التزامه بالمهمات رغم شح الإمكانيات. وأعلن عن خطة لتعزيز قدرات الجيش عبر تطويع 4500 عنصر إضافي لاستكمال الانتشار في الجنوب، في مقابل إخفاق إسرائيل في احترام تعهداتها الدولية.
ولم يكتف الرئيس عون بالموقف النظري، بل كشف عن مذكرة تفاهم تفاوضية مع الجانب الأميركي تم إعدادها بالتنسيق مع رئيسي الحكومة والمجلس النيابي، تتضمن خطوات متدرجة لتثبيت وقف إطلاق النار، وسحب السلاح من جميع القوى المسلحة بما فيها حزب الله، مقابل دعم مالي للجيش، وإعادة إعمار، وترسيم كامل للحدود مع كل من إسرائيل وسوريا، ومكافحة التهريب، وحل أزمة النازحين. عرض بدا متماسكًا، محكم البناء، ويعكس جدية الدولة في الخروج من منطق الجمود إلى دينامية الحل الشامل.
ولعل النقطة الجوهرية في خطاب الرئيس كانت في استعادته للجيش كمؤسسة جامعة، قادرة على تمثيل كل اللبنانيين دون استثناء، لا بل حامية لوحدة البلاد، في وقت تتآكل فيه بقية مؤسسات الدولة. لم يكن الجيش مجرد خلفية للخطاب، بل كان بطله المركزي: مؤسسة لم تنهَر رغم الانهيار الاقتصادي، ولم تستسلم رغم الحصار السياسي، ولم تتلوث بالفساد أو العمالة، كما قال الرئيس.
في المحصلة، يبدو أن لبنان دخل لحظة مفصلية. فإما أن تكون الدولة، وإما أن يُترك البلد رهينة لصراعات المحاور. خطاب الرئيس عون، بكل ما فيه من وضوح وصراحة ومسؤولية، لا يشكل فقط إعلان موقف، بل دعوة لحسم الخيار. بين من يريد الحفاظ على سلاح الدولة وبين من يتمسك بدولة السلاح، لا مكان للمراوحة، ولا وقت للمساومة. فالرهان الأخير، كما قال، هو على الجيش الأبي الذي لا يُخون، ولا ينهار، ولا يساوم.






