وسط ركام الحرب وخيام النزوح، تتسارع مشاهد العوز في قطاع غزة، حيث بات الجوع ملامسًا للحناجر أكثر من أي وقت مضى، لا سيما بعد توقف واحدة من أبرز مؤسسات الإغاثة الدولية عن تقديم وجبات الطعام الساخنة، في مؤشر خطير على تفاقم الأزمة الإنسانية إلى حدود المجاعة الجماعية. وبينما يكتظ معسكر النزوح في منطقة “المواصي” غربي خانيونس بآلاف الفلسطينيين الهاربين من جحيم القصف، ترتفع صرخات الأمهات والأطفال، لا طلبًا للدواء أو الماء فقط، بل لرغيف خبز لم يعد متاحًا كما كان قبل أسابيع قليلة.
حنان، سيدة نازحة تبلغ من العمر 55 عامًا، اختزلت المأساة في بضع كلمات قالتها لـ”القدس العربي”، حين أشارت إلى أن ما تملكه عائلتها لا يتجاوز كيلوين من الدقيق، نفذت معها كل المعلبات، ولم تصلها أي مساعدة غذائية طوال الشهرين الماضيين. “الأطفال يبكون من الجوع، والتكايا إن أغلقت سيهلك الجميع”، تقول حنان، التي تسكن مع أبنائها وأحفادها في خيمة لا تقي حر الصيف ولا تحجز رياح البحر.
هذا المشهد يتكرر في عشرات التجمعات العشوائية للنازحين، خاصة في جنوب القطاع الذي تحول إلى مركز للنزوح بعد تهجير أكثر من مليون فلسطيني من شمال ووسط غزة. فمع استمرار إغلاق إسرائيل للمعابر، وغياب الآلية الفاعلة لإدخال المساعدات الإنسانية، أعلنت منظمة World Central Kitchen (المطبخ المركزي العالمي)، يوم الأربعاء، توقفها عن طهي الوجبات الغذائية نتيجة نفاد الإمدادات، لتضيف بذلك مزيدًا من القلق على مشهد إنساني بالغ القتامة.
ويقول مراقبون إن توقف المطبخ المركزي، الذي لعب دورًا محوريًا في إطعام عشرات آلاف العائلات منذ بداية الحرب، يكشف عن فشل فاضح في الجهود الدولية لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية للفلسطينيين. ورغم وعود الأمم المتحدة وشركائها، فإن الواقع على الأرض يشير إلى تراجع حاد في قدرة المنظمات الإنسانية على العمل، إما بسبب نقص التمويل أو القيود الإسرائيلية المشددة، أو لغياب ضمانات الحماية للفرق الإغاثية، بعد حوادث استهداف متكررة طالت قوافل المساعدات.
في الوقت نفسه، تشهد “تكايا” الطعام – التي كانت آخر أمل للفقراء – تراجعًا لافتًا، حيث أُجبرت كثير منها على الإغلاق أو تقليص الكميات لتتناسب مع الموارد الشحيحة. وتُدار أغلب هذه التكايا من قبل متطوعين وأهالي تبرعوا بما تبقى لديهم، في محاولة لرد جزء من الجوع المتصاعد، لكن قدرتهم على الاستمرار تتضاءل يوما بعد يوم، في ظل غياب الدعم الدولي وغياب خطة إنقاذ متكاملة.
الأزمة الغذائية في غزة لم تعد مجرد انعكاس للحصار أو نتيجة جانبية للحرب، بل تحوّلت إلى سلاح غير معلن يهدد حياة المدنيين، لا سيما الأطفال، الذين تُظهر الصور المسربة من بعض مناطق النزوح علامات واضحة لسوء التغذية عليهم. وفي ظل هذه الظروف، يخشى كثيرون من أن يتحول القطاع إلى “ساحة موت بطيء”، ما لم تتدخل المنظومة الدولية بمستوى مختلف من الضغط على الاحتلال للسماح بتدفق المساعدات، وبسرعة.
ليس الجوع في غزة أزمة نقص موارد فقط، بل هو نتاج سياسة حصار متعمدة، وانهيار شبه كامل للبنية التحتية، وتواطؤ دولي صامت، يجعل من كل يوم يمر اختبارًا مريرًا للكرامة الإنسانية. وإذا كانت صور الأطفال الجوعى وخيام النزوح لم توقظ الضمير العالمي بعد، فإن الكارثة القادمة قد تكون أوسع وأقسى من أن تُحتوى بالبيانات والتنديدات.






