كان أبو أحمد، قبل الحرب الأخيرة على غزة، اسماً لامعاً في سوق الهواتف المحمولة. رجل عصامي بدأ من الصفر، وبنى امبراطورية صغيرة تتوزع بين ثلاث محال تجارية في قلب المدينة، تردد عليها الزبائن من كل مكان. فيلا فاخرة في حي الرمال كانت ملاذه، وزوجته “أم أحمد” رفيقة دربه، بينما كانت ابنته الصغيرة “ليان” تبث الحياة في جنبات البيت. لكن كل ذلك تحول إلى رماد في لحظة قصف واحدة، حملت معها كل ما بناه، وكل من أحبهم، إلا أحمد… نجله، الذي نجا من الموت بأعجوبة.
حياة ما قبل الحرب: تاجر بثلاثة محلات وهواتف من دبي والصين
“كنت أبدأ يومي من الخامسة صباحاً. أراجع الحسابات، أتواصل مع الموردين في دبي والصين، أعد شحنات الهواتف القادمة، وأستقبل الزبائن شخصياً… لم أكن فقط أبيع الهواتف، كنت أبيع الثقة” يقول أبو أحمد بينما يجلس على بطانية قديمة في ساحة مدرسة تحوّلت إلى مأوى للنازحين.
لقد كان السوق يعرفه جيداً: “المحلات الثلاثة كانت في شارع عمر المختار. كل محل له طابعه وزبائنه. أحدها مخصص للهواتف الذكية الحديثة، والثاني للصيانة وبيع القطع، والثالث للهواتف المستعملة بأسعار مناسبة. كنت أوظف أكثر من 12 عاملاً، وأدفع رواتبهم بانتظام. لم أكن تاجراً فقط، كنت صاحب مسؤولية”.
الانفجار: “كنت أعد العشاء… ثم انتهى كل شيء”
ليلة الرابع من نوفمبر، كانت هادئة نسبياً. الطيران الحربي لم يظهر في سماء غزة لساعات، وهو أمر نادر في ظل الحرب المتصاعدة. “أم أحمد كانت تطهو العشاء، وليان تلعب بلعبة جديدة اشتريتها لها قبل يومين… ثم دوى انفجار رهيب. لم أسمع صوت الصاروخ، لكني شعرت بأن الأرض قد انشقت تحت أقدامي”، يتوقف للحظة، ويضيف بصوت متهدج: “استيقظت في المستشفى… سألوني عن اسمي… ثم أخبروني أنهم وجدوا جثتين تحت الأنقاض. أم أحمد وليان”.
أما أحمد، الابن البكر، فقد نجا بأعجوبة. كان في الطابق الأرضي عند وقوع القصف، وحين انتشلته فرق الإنقاذ بعد أكثر من خمس ساعات، لم يكن أحد يتوقع أنه لا يزال على قيد الحياة.
فقدان كل شيء: “الفيلا، المحلات، الأحلام”
لم تكن خسارته شخصية فقط، بل اقتصادية كاملة. فخلال أيام قليلة، تعرضت محلاته الثلاثة للقصف. واحدة دُمرت بالكامل، والثانية احترقت بفعل القصف المجاور، والثالثة نهبها اللصوص بعد أن خلت المنطقة من سكانها. “لم أتمكن من إنقاذ شيء، لا بضاعة، ولا معدات، ولا حتى الأوراق الرسمية”، يقول بحزن.
بيته، الفيلا التي قضى عقدين من عمره في بنائها وتحسينها، لم تعد سوى ركام. “كل زاوية فيها كانت تحمل ذكرى، كل جدار رسمنا عليه أحلامنا. لكنها سقطت، كما سقط كل شيء”.
من التاجر إلى اللاجئ: “اليوم أعيش على علبة تونة وبطانية”
منذ تلك الليلة، أصبح أبو أحمد نازحاً بين مدارس الإيواء والملاجئ المؤقتة. يعيش مع ابنه أحمد، الذي لا يزال يعاني من آثار الإصابة. “نحن الآن نعيش على المساعدات الغذائية. لا دخل، لا مستقبل، ولا حتى أمل واضح في العودة”.
يشير إلى وجبة غذائية وصلت للتو من إحدى الجمعيات الإغاثية: “هذا رز وعلبة تونة وبعض الخبز. هذا هو فطورنا وغداؤنا وعشاؤنا. من يصدق أن من كان يوزع الهواتف من آخر موديل، صار ينتظر كرتونة معونة؟”.
بين الذكرى والحلم الضائع: “لم أعد أحلم بالثراء… فقط أن أعيش بكرامة”
رغم الفاجعة، لا يتحدث أبو أحمد بنبرة الغضب، بل بالألم الممزوج بالذهول. “لم أعد أحلم أن أعود تاجر هواتف، ولا أن أبني فيلا جديدة. كل ما أريده الآن هو سقف يأويني وابني، وبلد بلا حرب… كرامة فقط، لا أكثر”.
ويختم قائلاً: “أقول لنفسي أحياناً: ربما عدت إلى الصفر، لكن الفرق أنني اليوم لا أملك حتى الأرض التي أقف عليها. نحن نعيش فوق رماد أحلامنا”.






