مع كل جولة تصعيد بين إسرائيل وإيران، يعود اسم حزب الله إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في حسابات طهران الإقليمية. ورغم الضربات المتتالية التي تعرض لها الحزب خلال السنوات الأخيرة، والخسائر التي أثرت على قدراته العسكرية والسياسية، فإن إيران لا تزال تنظر إليه باعتباره أكثر من مجرد حليف لبناني.
فبالنسبة لصناع القرار في طهران، لا يتعلق الأمر بتنظيم مسلح أو قوة سياسية محلية فحسب، بل بأحد أهم أعمدة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وأداة أساسية في معادلة الردع التي بنتها الجمهورية الإسلامية على مدى عقود.
لماذا يتمسك الإيرانيون بحزب الله؟
منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، تحول حزب الله إلى أبرز حلفاء إيران في المنطقة وأكثرهم تنظيماً وتأثيراً.
وخلافاً لبعض الحركات والجماعات المرتبطة بطهران في المنطقة، نجح الحزب في بناء بنية عسكرية وسياسية واجتماعية جعلته لاعباً رئيسياً داخل لبنان وخارجه.
ولهذا ترى إيران أن خسارة الحزب أو إضعافه بشكل كبير لا تعني فقدان حليف فقط، بل خسارة إحدى أهم أدوات نفوذها الإقليمي.
استراتيجية “الدفاع عن بعد”
اعتمدت إيران لسنوات على ما يصفه بعض الباحثين باستراتيجية “الدفاع عن بعد”، أي إبعاد أي مواجهة محتملة عن أراضيها عبر شبكة من الحلفاء المنتشرين في المنطقة.
وفي قلب هذه الاستراتيجية جاء حزب الله باعتباره الحلقة الأقوى والأكثر قدرة على التأثير في الصراع مع إسرائيل.
فوجود الحزب على الحدود الشمالية لإسرائيل منح طهران ورقة ضغط مهمة، وساهم في بناء توازن ردع غير مباشر سمح لإيران بتجنب كثير من المواجهات المباشرة.
كيف تغيرت المعادلة؟
لكن التطورات الأخيرة أظهرت تحولاً ملحوظاً في هذه الاستراتيجية.
فبدلاً من أن يدافع الحلفاء عن المصالح الإيرانية من مسافة بعيدة، وجدت طهران نفسها مضطرة للدفاع عن حلفائها بشكل مباشر في بعض الأحيان، ما جعلها أكثر انخراطاً في الصراع وأكثر عرضة للردود العسكرية والسياسية.
وهذا التحول كشف حجم الترابط بين إيران وحزب الله، وأظهر أن مستقبل أحدهما أصبح أكثر ارتباطاً بمصير الآخر.
لماذا تخشى إيران التخلي عن الحزب؟
لا يكمن القلق الإيراني في خسارة نفوذ جغرافي داخل لبنان فقط.
فالخطر الأكبر يتمثل في الرسالة التي قد تصل إلى بقية الحلفاء الإقليميين إذا بدا أن طهران تخلت عن أهم شركائها في لحظة ضغط.
فالجماعات والقوى المرتبطة بإيران في المنطقة تراقب كيفية تعاملها مع حلفائها، وأي تراجع عن دعم حزب الله قد يثير تساؤلات حول مدى التزامها تجاه بقية شركائها.
ولهذا السبب تحرص طهران على إبقاء الحزب ضمن أي معادلة تفاوضية أو ترتيبات أمنية محتملة في المنطقة.
البعد السياسي يتجاوز لبنان
ترى إيران أن حزب الله لا يمثل فقط نفوذاً داخل الساحة اللبنانية، بل يشكل جزءاً من صورة القوة الإقليمية التي عملت على بنائها منذ عقود.
فالحزب يمنحها حضوراً مباشراً على إحدى أكثر الجبهات حساسية في الشرق الأوسط، كما يوفر لها قناة تأثير في ملفات تتجاوز لبنان لتشمل الصراع مع إسرائيل والتوازنات الإقليمية الأوسع.
ومن هنا يصبح مستقبل الحزب جزءاً من مستقبل المشروع الإقليمي الإيراني نفسه.
بين الكلفة والمكاسب
لكن الحفاظ على هذا النفوذ لم يعد بلا ثمن.
فالتوتر المستمر مع إسرائيل، والعقوبات الغربية، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، كلها عوامل رفعت كلفة السياسات الإقليمية الإيرانية.
وفي الداخل الإيراني تتزايد الأسئلة حول جدوى الإنفاق على الصراعات الخارجية في وقت يواجه فيه الاقتصاد تحديات كبيرة وتراجعاً في مستويات المعيشة.
لذلك تجد القيادة الإيرانية نفسها أمام معادلة معقدة: فهي لا تستطيع التخلي عن حزب الله دون خسائر استراتيجية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تواجه كلفة متصاعدة للحفاظ على شبكة حلفائها الإقليميين.
هل أصبح حزب الله اختباراً لمكانة إيران؟
في جوهر الأمر، لا يتعلق مستقبل حزب الله بلبنان وحده، بل بمكانة إيران الإقليمية أيضاً.
فكلما تعرض الحزب لضغوط أكبر، تجد طهران نفسها أمام اختبار جديد لقدرتها على حماية نفوذها والحفاظ على شبكة تحالفاتها.
ولهذا السبب لا تنظر إيران إلى حزب الله كحليف يمكن استبداله، بل كأحد أهم الأصول الاستراتيجية التي ساهمت في رسم نفوذها الإقليمي طوال العقود الماضية، وهو ما يفسر تمسكها به رغم كل المتغيرات التي تشهدها المنطقة.




