إذا صحّت المعطيات المتداولة عن جولة “ويتكوف بلاس”، فإنّ إصرار حماس على ضمانات أمريكية مكتوبة تمتدّ لما بعد وقف إطلاق النار لستين يومًا يبدو، في ميزان التفاوض، شرطًا عالي الكلفة سياسيًا وإنسانيًا مقارنةً بالعائد المحتمل. فالحركة قدّمت بالفعل تنازلات في بندَي الأسرى والمنطقة العازلة—خفضت مطلب المؤبّدين من 200 إلى 140–150، وقبلت بعازلة بين 800 و1000 متر—ما خلق زخمًا تفاوضيًا نادرًا. غير أنّ تحويل “الضمانات المكتوبة” إلى عتبة مسبقة يعيد رفع سقف الشروط ويُدخل المسار في متاهة الصياغات القانونية والجهة الضامنة وتفسير “عدم العودة للقتال”، وهي مسائل بطبيعتها خلافية وتفتح أبواب تأويل لا تُغلق بسرعة.
تحويل التنازلات الجزئية إلى مكاسب
من زاوية إدارة المخاطر، تبني حماس شرطًا صلبًا في نقطة تفتقر فيها إلى أدوات إنفاذ خارجية. فالولايات المتحدة—حتى لو رغبت—لن تقدّم صيغة ملزِمة لإسرائيل تُفسَّر كقيد استراتيجي على قرارها العسكري، خصوصًا مع وجود قائمة “الخطوط الحمراء” التي أعلنها نتنياهو: نزع سلاح حماس والقطاع، استعادة جميع الأسرى، وسيطرة أمنية إسرائيلية مع حكومة مدنية بديلة. اشتراط ضمان أمريكي كتابي يعطي تل أبيب ذريعة جاهزة بأنّ “الطرف الآخر يطلب ما لا نملكه” ويحوّل موضع اللوم من التعنّت الإسرائيلي إلى “تعقيد” حماس، بينما يتفاقم الثمن الإنساني في غزة يومًا بيوم.
تكتيكًا، كانت الحركة في وضع يسمح لها بتحويل التنازلات الجزئية إلى مكاسب ملموسة للسكان عبر هدنة قابلة للتمديد، وتحرير دفعات من الأسرى، وفتح مسارات إغاثة وتخفيف الضغط العسكري. الاندفاع لربط هذه المكاسب بضمان فوقي مؤجَّل لما بعد الستين يومًا يبدّد ميزة “التجزئة” التي يحتاجها أي طرف أضعف: خذْ ما تستطيع الآن، ثم راكم أوراقك في جولة لاحقة. كلّما كبرت “حزمة الشروط” اتسع مجال الفشل وتعاظمت نقاط التعطيل الإجرائية: صيغة الضمان، صفة المُوقّع، آليات التحكيم، وما إذا كانت الخروقات “موضوعية” أم “مُختلَفًا عليها”.
تعهد ورقي
من منظور سمعة التفاوض، تصوغ حماس صورة ذات حدّين. مرونتها في الأرقام والمسافات تُظهِر براغماتية، لكن إغلاقها الباب بدون ضمان مكتوب يوجّه رسالة معاكسة: الاستعداد لتأجيل وقف النار بسبب بند رمزي يصعب تحصيله. هذا التناقض يضع الوسطاء—خصوصًا القاهرة والدوحة—في موقف دفاعي، ويتيح لواشنطن أن تقول إنها “ضغطت قدر الإمكان” بينما تستمر الوقائع الميدانية. والأسوأ أنّ الرأي العام الدولي، الذي بات يربط أي تقدّم إنساني بوقف فوري للقتال، قد ينقلب على الطرف الذي يُرى أنه يضيف عقبات في اللحظة الحاسمة.
عمليًا، لا تحتاج الحركة إلى “تعهد ورقي” كي تقلّص احتمالات عودة الحرب؛ يمكنها المطالبة بضمانات سلوكية قابلة للقياس والتنفيذ: جدول زمني متدرّج لتبادل الأسرى مقابل تمديدات تلقائية للهدنة، رقابة ميدانية متعدّدة الأطراف على المنطقة العازلة، آليات إنذار مبكر وتقصّي مستقل للخروقات، وبنود “سناب-باك” تعيد الوضع إلى ما قبل الخرق مع تعويض إنساني فوري. مثل هذه الأدوات لا تُلزِم واشنطن بتعهّد سيادي، لكنها تُكبّد الطرف المخرِق كلفة سياسية وإعلامية وتخلق مساحات ردع ناعمة أكثر فاعلية من بند قانوني قابل للالتفاف.
ثمّة خطأ ثانٍ في التسلسل؛ إذ يجري سحب ملف “اليوم التالي” إلى قلب هدنة إنسانية مؤقّتة. الإسرائيليون يصرّون على حسم معادلة الحكم ونزع السلاح، والحركة تردّ بضمان يمنع استئناف القتال بعد الستين يومًا. النتيجة: هدنة إنسانية تتحوّل إلى مفاوضات وضع نهائي مُقنَّعة، وهي وصفة مؤكدة للتعطّل. الأجدى أن تُفكَّك الحزمة: تُترك قضايا الحكم والسلاح إلى مسار سياسي لاحق برعاية أممية–إقليمية، بينما تُحصر هدنة الستين يومًا في معادلتي الأرواح والمساعدات والإفراجات، مع تمديد تلقائي مشروط بالأداء.
مفاوضات عالية التعقيد
الإصرار العلني على دور شخص بعينه كضامن—مهما كان اسمه أو موقعه—يُقحِم الملف في مزاج السياسة الأمريكية وتقلّباتها، ويحوّل الهدنة إلى رهينة صراع الخطابات الداخلي هناك. هذا تموضع غير حكيم لطرف يحتاج إلى مظلّة متعددة الأطراف تقلّل التسييس وتُوزّع المخاطر: مجلس أمن بصيغة عملية على الأرض، آلية متابعة من مصر وقطر والأمم المتحدة، وتقارير دورية تُنشر للعلن. كلما اتّسع نطاق الضامنين وتعدّدت مرجعياتهم، تقلّص خطر الفيتو الفردي وتضاعفت كلفة النكوص.
الاعتبار الأخطر هو الزمن. في مفاوضات عالية التعقيد، النافذة التي تُفتح بفضل تنازل هنا أو ليونة هناك تُغلَق سريعًا بفعل حدث ميداني أو مناورة داخلية في إسرائيل. تحويل تلك النافذة إلى رهينة “ورقة ضمان” يراهن على سعة وقت غير موجودة. وفي ظل الانهيار الإنساني في غزة، تصبح كلفة يوم واحد من التوقّف أكبر بكثير من قيمة أي صيغة لغوية إضافية على الورق—مهما بدت مطمئنة.






