بيان كتائب القسام الأخير، الذي حمل لهجة تصعيدية وتهديدات مباشرة لإسرائيل، يكشف عن إصرار حركة حماس على الاستمرار في منطق المواجهة مهما كان الثمن، في وقت يعاني فيه قطاع غزة من دمار غير مسبوق ومجاعة خانقة وانهيار شبه كامل للبنية التحتية. ورغم أن الحركة تحاول تصوير خطابها على أنه رسالة تحدٍ وصمود، فإن توقيته ومضمونه يطرحان تساؤلات جوهرية حول أولوياتها، إذ يظهر بوضوح أن حماس تضع بقاءها السياسي والعسكري فوق الاعتبارات الإنسانية التي تمس حياة أكثر من مليوني مدني محاصرين بين القصف والتجويع.
المقايضة العسكرية
الرسائل المتعلقة بالأسرى الإسرائيليين تعبّر عن منطق المقايضة العسكرية أكثر مما تعبّر عن إدراك لحجم الكارثة الإنسانية في غزة. فبدلاً من أن تقدم الحركة مبادرة واضحة تُسهم في فتح نافذة للتسوية أو التهدئة تخفف معاناة الناس، نجدها تشدد على أن الأسرى سيكونون في جبهات القتال، وتلمح إلى أن مصيرهم مرتبط مباشرة بالتصعيد. هذا الخطاب يرسخ الانطباع بأن حماس توظف ملف الأسرى كورقة ضغط وحيدة في مواجهة إسرائيل، حتى لو أدى ذلك إلى تعريض حياة المدنيين الغزيين لمزيد من الكوارث.
في المقابل، تصر إسرائيل بدعم أميركي على المضي في عملياتها العسكرية، ما يجعل المدنيين الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. لكن الخطاب الحماسي لحماس لا يقدم حلاً ولا بديلاً، بل يضيف مزيداً من الذرائع للاحتلال لمواصلة حربه الشرسة. ومع أن الحركة ترفع شعارات المقاومة والبطولة، فإن الواقع على الأرض يقول إن الكلفة الإنسانية غير مسبوقة: أكثر من 63 ألف شهيد، و159 ألف جريح، وآلاف آخرون يموتون جوعاً ومرضاً، بينما تبقى القيادة السياسية والعسكرية لحماس متمسكة بالحكم رافضة أي نقاش جدي حول تسوية سياسية أو ترتيبات انتقالية قد تنقذ حياة الناس.
معادلة كارثية على المدنيين
هذه المفارقة تؤكد أن خطاب حماس، وإن كان موجهاً إلى الداخل والخارج في آن واحد، لا ينطلق من قراءة عقلانية لمصير غزة، بل من منطق الحفاظ على السلطة مهما كان الثمن. فبدلاً من أن تضع الحركة أولوياتها في وقف الحرب، وإيجاد مخرج سياسي يضمن حماية المدنيين وإعادة إعمار القطاع، نجدها تُصر على معادلة “إما بقاء حماس أو استمرار الحرب”، وهي معادلة كارثية على المدنيين أولاً وأخيراً.
المأساة في غزة لم تعد مرتبطة فقط بالآلة العسكرية الإسرائيلية، بل أيضاً بعجز حماس عن تقديم رؤية واقعية تتجاوز تمسكها بالحكم. وفي ظل هذا الانغلاق السياسي، يبقى المدنيون رهائن بين حصار الاحتلال ومغامرات المقاومة، بينما يتآكل ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع. وهكذا يبدو أن القيادة في غزة تفكر في مصالحها الاستراتيجية والرمزية قبل التفكير في مأساة الناس اليومية، وهو ما يعمق الفجوة بين خطابها المقاوم والواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.






