برحيل الأمير القطري السابق حمد بن خليفة آل ثاني عن عمر ناهز 74 عاماً، تطوى صفحة أحد أبرز القادة الذين أحدثوا تحولاً جذرياً في تاريخ قطر الحديث. فمنذ توليه السلطة عام 1995، انتقلت الدولة الخليجية الصغيرة من لاعب اقتصادي يعتمد على ثروته الغازية إلى قوة إقليمية ودولية تمتلك أدوات مؤثرة في السياسة والإعلام والاقتصاد والرياضة.
وعلى مدى ثمانية عشر عاماً من الحكم، رسخ الأمير الراحل نموذجاً يقوم على استثمار الثروة الطبيعية لبناء نفوذ يتجاوز حدود الجغرافيا، وهو إرث لا يزال ينعكس على السياسة القطرية حتى اليوم بقيادة الأمير تميم بن حمد آل ثاني.
وصول غير تقليدي إلى السلطة
في يونيو/حزيران 1995، تولى حمد بن خليفة آل ثاني الحكم إثر انقلاب أبيض أطاح بوالده الأمير خليفة بن حمد آل ثاني أثناء وجوده خارج البلاد.
ورغم أن انتقال السلطة جاء دون مواجهات عسكرية، فإنه شكل نقطة تحول في تاريخ قطر، إذ تبنى الأمير الجديد رؤية مختلفة تقوم على توسيع الدور السياسي والاقتصادي للدولة، وعدم الاكتفاء بمكانتها كدولة منتجة للنفط والغاز.
الغاز… نقطة الانطلاق نحو النفوذ
مثّل حقل الشمال، أكبر حقل غاز طبيعي غير مصاحب في العالم، الركيزة الأساسية للمشروع الاقتصادي الذي قاده الأمير الراحل.
فخلال سنوات حكمه، استثمرت قطر بكثافة في صناعة الغاز الطبيعي المسال، وبدأت صادراتها التجارية عام 1997، قبل أن تتحول خلال أقل من عقد إلى واحدة من أكبر الدول المصدرة للغاز المسال في العالم.
ولم يقتصر أثر هذه الطفرة على الاقتصاد، بل وفرت للدولة موارد مالية ضخمة استُخدمت في بناء صناديق استثمار سيادية، وتمويل مشاريع تنموية داخلية، وتوسيع الحضور القطري في الأسواق العالمية.
الجزيرة… القوة الناعمة للإعلام
بعد عام واحد فقط من توليه الحكم، أطلق الأمير حمد بن خليفة قناة الجزيرة، التي سرعان ما أصبحت واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيراً في العالم العربي.
وأحدثت القناة تحولاً في المشهد الإعلامي العربي من خلال توسيع مساحة النقاش السياسي، وتغطية القضايا الإقليمية والدولية بصورة مختلفة عن الإعلام الرسمي السائد آنذاك، ما منح قطر حضوراً إعلامياً تجاوز حجمها الجغرافي.
الاستثمار والرياضة… أدوات لتعزيز المكانة الدولية
اعتمدت الدوحة أيضاً على الاستثمار الخارجي كوسيلة لتعزيز نفوذها الاقتصادي، فاستحوذ جهاز قطر للاستثمار على حصص في شركات وعقارات ومؤسسات مالية في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.
وفي المجال الرياضي، دخلت قطر بقوة إلى الساحة العالمية عبر استثماراتها في الأندية والبطولات الكبرى، وكان أبرزها الاستحواذ على نادي باريس سان جيرمان عام 2011، ثم استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022، في أول نسخة تقام في دولة عربية.
ورغم الانتقادات التي رافقت تنظيم البطولة، خاصة فيما يتعلق بظروف العمالة، اعتبرتها الدوحة محطة مفصلية في ترسيخ حضورها الدولي.
سياسة خارجية تقوم على التوازن
تميزت السياسة الخارجية القطرية خلال عهد الأمير حمد بمحاولة الجمع بين علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، والانفتاح في الوقت نفسه على أطراف إقليمية ودولية متباينة.
فبينما استضافت قطر قاعدة العديد الجوية، التي أصبحت إحدى أهم القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، احتفظت الدوحة أيضاً بقنوات اتصال مع إيران وحركات فلسطينية وأطراف أخرى لعبت دوراً في ملفات الوساطة الإقليمية.
وساهمت قطر خلال تلك الفترة في جهود الوساطة في عدد من الأزمات، من لبنان إلى السودان واليمن، ما منحها مكانة دبلوماسية تفوق حجمها الجغرافي.
الربيع العربي… مرحلة أثارت الجدل
مع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، تبنت قطر سياسة داعمة لبعض الحركات السياسية، وهو ما أثار خلافات حادة مع عدد من دول الخليج.
ورأى منتقدون أن هذا النهج ساهم في توتر العلاقات الإقليمية، بينما اعتبرت الدوحة أن سياستها الخارجية تستند إلى دعم التحولات السياسية والحوار مع مختلف الأطراف.
وقد بلغت هذه الخلافات ذروتها لاحقاً خلال الأزمة الخليجية عام 2017، التي وقعت بعد انتقال الحكم إلى الأمير تميم بن حمد آل ثاني.
تنازل طوعي عن الحكم
في يونيو/حزيران 2013، فاجأ الأمير حمد بن خليفة المراقبين بإعلانه التنازل طوعاً عن الحكم لنجله الأمير تميم بن حمد آل ثاني.
وكانت هذه الخطوة نادرة في منطقة الخليج، حيث جرت العادة أن يستمر الحكام في مناصبهم حتى الوفاة أو العجز، الأمر الذي اعتبره كثيرون انتقالاً منظماً للسلطة يعكس رؤية مختلفة لإدارة الدولة.
إرث يتجاوز حدود قطر
أثار إعلان وفاة الأمير السابق موجة واسعة من ردود الفعل الإقليمية والدولية، حيث أشادت عدة عواصم بدوره في تعزيز الحضور الدبلوماسي لقطر، فيما استذكرت دول شهدت وساطات أو مشاريع تنموية قطرية مساهماته خلال العقود الماضية.
ويرى مراقبون أن أبرز ما يميز إرث حمد بن خليفة آل ثاني هو نجاحه في تحويل الثروة الغازية إلى أدوات نفوذ سياسي واقتصادي وإعلامي، ما جعل قطر لاعباً يصعب تجاوزه في العديد من ملفات الشرق الأوسط.






