لم يكن صباح الأحد الأخير يوماً عادياً في شمال شرق نيجيريا، إذ استيقظ سكان القرى المطلة على بحيرة تشاد على أصوات الرصاص والانفجارات التي دامت ساعات طويلة، قبل أن يتضح أن المنطقة شهدت واحدة من أعنف المعارك بين تنظيمي «بوكو حرام» و«داعش في غرب إفريقيا».
جديدة تهزّ ضفاف بحيرة تشاد
وفقاً للمصادر الأمنية والميدانية، فقد تجاوز عدد القتلى 200 شخص، في مشهدٍ يؤكد أن الصراع بين التنظيمين المتنافسين خرج عن السيطرة، وتحول إلى حرب إبادة متبادلة لا تبقي ولا تذر.
المنطقة التي كانت حتى سنوات قريبة مركزاً للزراعة والصيد، باتت اليوم أشبه بمقبرة مفتوحة، بعدما أجبر الرعب السكان على النزوح الجماعي، تاركين وراءهم قواربهم ومواشيهم وبيوتهم المهدمة، ومع كل اشتباك جديد، تتجدد مخاوف من أن تتحول بحيرة تشاد إلى بركة دم دائمة، يطفو فوقها إرثٌ من العنف والانقسام.
ويشير مراقبون إلى أن هذه المعارك ليست سوى جزء من صراعٍ أوسع على النفوذ والموارد في المنطقة الحدودية المعقدة التي تشترك فيها أربع دول، فبحيرة تشاد، رغم تقلص مساحتها خلال العقود الماضية بسبب التغير المناخي، ما زالت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر، وموقعاً استراتيجياً لطالما جذب الجماعات المتشددة التي تتخذ من المناطق النائية ملاذاً آمناً.
لكنّ ما يثير القلق اليوم ليس فقط ارتفاع حصيلة القتلى، بل عجز الدولة النيجيرية عن فرض سيطرتها الكاملة على هذه الرقعة الجغرافية الملتهبة، رغم مرور أكثر من عقد على بدء الحرب ضد الإرهاب، ومع تصاعد وتيرة العنف، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل بدأت نيجيريا تخسر معركتها مع التنظيمات المتطرفة في الشمال الشرقي؟
دولة مترامية وحدود رخوة.. بيئة خصبة للفوضى
يصف خبراء الأمن نيجيريا بأنها «دولة بحجم قارة»، تمتد أراضيها على مساحات شاسعة تضم تضاريس متباينة من السهول والغابات إلى المستنقعات والبحيرات، وهي بيئة مثالية لتسلل الجماعات المسلحة.
وفي شمال شرق البلاد تحديداً، حيث تقع بحيرة تشاد، تزداد صعوبة المراقبة الحدودية بسبب تشابك القرى وتداخل القبائل بين الدول المجاورة، ما يجعل من الصعب تحديد المسؤولية الأمنية بدقة.
هذا التداخل الحدودي وفّر للتنظيمات المتطرفة هامشاً واسعاً للحركة، إذ يمكن لعناصر «بوكو حرام» أو «داعش» عبور الحدود بسهولة من نيجيريا إلى تشاد أو النيجر أو الكاميرون، دون أن تواجههم عوائق تذكر، ومع كل عملية عسكرية تطلقها القوات النيجيرية، ينسحب المسلحون إلى الأراضي المجاورة ليعيدوا تنظيم صفوفهم قبل أن يعودوا للهجوم مجدداً.
الجيش النيجيري، رغم امتلاكه العتاد والرجال، يجد نفسه منهكاً في مواجهة حرب استنزاف لا تنتهي. فالمعارك في المناطق الريفية تتطلب موارد لوجستية ضخمة، في حين أن ضعف البنية التحتية وغياب الطرق المعبدة يعقدان مهمة القوات الحكومية، ويضاف إلى ذلك الفساد المستشري داخل بعض الأجهزة الأمنية، مما يقلل من فعالية العمليات العسكرية ويقوّض ثقة السكان المحليين.
وفي ظل هذه الظروف، تتحول القرى المهجورة إلى ملاجئ طبيعية للعناصر المتشددة، بينما يستغل التنظيمان المتناحران الفوضى لفرض الضرائب على السكان ونهب الموارد، في تكرار لنمطٍ شهدته مناطق أخرى من القارة مثل مالي وبوركينا فاسو.
ضحايا في الهامش.. سكان بحيرة تشاد بين النزوح والجوع
في قلب هذا الجحيم الإنساني، يعيش عشرات الآلاف من المدنيين الذين لم يعرفوا طعماً للأمان منذ سنوات. القرى التي كانت تضج بالحياة تحولت إلى مخيمات بائسة، يعيش سكانها على المساعدات الشحيحة.
ومع تصاعد العنف الأخير، نزح أكثر من 20 ألف شخص إلى مدن مجاورة مثل مايدوغوري، حيث تزدحم الملاجئ وتزداد معدلات الفقر والمرض.
وتشير منظمات الإغاثة الدولية إلى أن الوضع الإنساني في منطقة بحيرة تشاد بلغ مستويات حرجة، إذ يعاني السكان من نقصٍ حاد في الغذاء والمياه الصالحة للشرب، كما تنتشر الأمراض بسبب سوء الصرف الصحي وغياب الرعاية الطبية، في حين يواجه الأطفال خطر التجنيد القسري في صفوف الجماعات المتشددة.
يقول أحد النازحين في حديثٍ لوسائل الإعلام المحلية: «لم نعد نزرع أو نصيد، كل ما نملكه هو الخوف. كل ليلة نسمع صوت إطلاق النار، ولا نعرف من يقاتل من».
شهادات كهذه تعكس مأساة منطقة تُركت وحدها في مواجهة مصيرٍ مجهول، وسط غياب الدولة وتراجع الدعم الدولي.
وفي المقابل، يزداد الغضب الشعبي من تقاعس الحكومة عن حمايتهم، حيث يرى الكثيرون أن وعود التنمية والإعمار لم تتجاوز حدود التصريحات، فيما يستمر نزيف الأرواح بلا توقف.
تراجع دولي وصمت إقليمي.. من المستفيد من الفوضى؟
رغم خطورة الموقف، يلاحظ المراقبون أن المجتمع الدولي يتعامل مع الأزمة في حوض بحيرة تشاد ببرودٍ لافت. فقد تراجع الاهتمام الغربي بالحرب ضد الإرهاب في إفريقيا بعد انسحاب القوات الفرنسية من منطقة الساحل، وانشغال القوى الكبرى بصراعات أوكرانيا والشرق الأوسط.
هذا الفراغ ترك الميدان مفتوحاً أمام تمدد التنظيمات المتطرفة بلا رادع، فالولايات المتحدة التي كانت تدعم عمليات المراقبة الجوية والاستخبارات، قلصت وجودها في السنوات الأخيرة، بينما تواجه قوات الاتحاد الإفريقي مشكلات تمويلية وتنظيمية. أما دول الجوار، فكل واحدة منها غارقة في أزماتها الداخلية، ما جعل التنسيق الأمني ضعيفاً ومتقطعاً.
ومع غياب الضغط الدولي، يجد المسلحون فرصة مثالية لإعادة بناء قدراتهم، بل واستقطاب عناصر جديدة من بين الشباب العاطلين عن العمل. وبذلك، يتكرّر السيناريو ذاته الذي شهدته دول مثل الصومال ومالي، حيث ملأت الجماعات المتطرفة فراغ السلطة.
ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع يهدد بخلق «منطقة خارجة عن السيطرة» تمتد من بحيرة تشاد حتى النيجر ومالي، بما يشكل حزاماً من الفوضى يمتد في قلب القارة الإفريقية، قد يكون من الصعب احتواؤه مستقبلاً
الأزمة ليست مجرد معركة بين فصيلين متطرفين
يقول د. عبد الله أوجوي، أستاذ الأمن الإفريقي بجامعة لاغوس، إن الأزمة الراهنة ليست مجرد معركة بين فصيلين متطرفين، بل تعبير عن فشلٍ هيكلي في منظومة الأمن النيجيري، الذي لم ينجح حتى الآن في بناء استراتيجية متكاملة لمكافحة الإرهاب.
ويوضح أن الدولة تعتمد أسلوب «الرد السريع» بعد كل هجوم، بدلاً من خطة طويلة المدى تعالج جذور المشكلة، ويضيف أن الجماعات المتشددة تستفيد من غياب التنمية في المناطق الشمالية، حيث البطالة والفقر وضعف التعليم، وهي عوامل تغذي التطرف وتجعل الشباب فريسة سهلة للتجنيد. فحين يشعر المواطن بأنه مهمل من قبل الدولة، يصبح أكثر استعداداً للانضمام إلى من يمنحه المال أو الشعور بالانتماء.
كما يشير الخبير إلى أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية دون إصلاح اجتماعي واقتصادي حقيقي يجعل الانتصارات الميدانية مؤقتة، فحتى بعد طرد المتشددين من بعض القرى، سرعان ما يعودون بمجرد انسحاب الجيش. لذا، يرى أن الحل يتطلب مقاربة شاملة تدمج الأمن بالتنمية والتعليم والحوكمة الرشيدة.
ويختتم أوجوي تحليله محذراً من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى ترسيخ «اقتصاد حرب» يعتمد عليه بعض أمراء الميليشيات والمسؤولين الفاسدين، ما يجعل إنهاء النزاع مهمة أكثر تعقيداً من مجرد القضاء على المسلحين.
التحول العميق في خريطة الإرهاب العالمي
ترى سارة ماكولا، الباحثة في معهد الدراسات الإفريقية بجوهانسبرغ، أن ما يحدث في نيجيريا يعكس التحول العميق في خريطة الإرهاب العالمي، حيث انتقل الثقل من الشرق الأوسط إلى إفريقيا.
وتشير إلى أن التنظيمات المتشددة باتت تنظر إلى حوض بحيرة تشاد كمنطقة استراتيجية توفر لها التمويل عبر تهريب السلاح والبشر والموارد الطبيعية.
وتؤكد ماكولا أن الصراع بين «بوكو حرام» و«داعش في غرب إفريقيا» لا يعني ضعفهما، بل يعكس محاولتهما إعادة توزيع مناطق السيطرة. فالتنظيمان، رغم اختلاف القيادات، يتشاركان هدفاً واحداً: إقامة نفوذ دائم في المنطقة يتيح لهما التفاوض مستقبلاً من موقع قوة.
كما تحذر من أن تجاهل المجتمع الدولي للأزمة قد يدفع التنظيمات إلى توسيع عملياتها خارج نيجيريا، نحو النيجر وتشاد، بما يهدد استقرار منطقة الساحل بأكملها. وتلفت إلى أن الممرات التجارية غير الشرعية التي تمر عبر بحيرة تشاد أصبحت شرياناً حيوياً لتمويل الإرهاب.
وتختم ماكولا بأن مستقبل نيجيريا وأمن القارة الإفريقية مرتبط بقدرة الدول الإفريقية على بناء تحالفات أمنية واقتصادية فعالة، بعيداً عن التبعية للقوى الخارجية، لأن «الفوضى في بحيرة تشاد ليست شأناً محلياً، بل جرس إنذار للقارة بأكملها».






