لم تعد القضايا الاقتصادية في قطاع غزة تُناقش بوصفها ملفات خدمية أو تقنية معزولة، بل باتت جزءًا من معركة أوسع تتعلق بطبيعة السيادة وإعادة تشكيل المجال العام، ومن بين أبرز هذه القضايا يبرز الطرح المتعلق بتدشين عملة رقمية في القطاع، باعتباره مشروعًا يتجاوز حدود التطوير المالي إلى إعادة تعريف العلاقة بين السكان والمال والسلطة.
العملة الرقمية، في السياقات المستقرة ذات السيادة الكاملة، قد تُقدم كأداة تحديث تعزز الشفافية وتخفض كلفة المعاملات وتحد من الاقتصاد غير الرسمي، غير أن إدخالها في بيئة تعاني هشاشة سياسية وقيودًا خارجية على القرار المالي يطرح أسئلة جوهرية: من يملك البنية التحتية الرقمية؟ من يتحكم بالبيانات؟ ومن يمتلك سلطة التجميد أو التقييد أو إعادة البرمجة؟
إعادة تشكيل غزة كحيّز منزوع السيادة النقدية
النقاش هنا لا يتعلق بالتكنولوجيا بحد ذاتها، بل بالإطار السيادي الذي يحكمها، وعندما ينتقل المال من شكله المادي الذي يتيح هامشًا من الاستقلال الفردي، إلى صيغة رقمية مركزية قابلة للرصد والتتبع، يعاد ميزان القوة بين الفرد والجهة المشرفة على النظام المالي يعاد ترتيبه بصورة جذرية. وعليه، يصبح مشروع العملة الرقمية في غزة مسألة سياسية–اقتصادية بامتياز، تمس جوهر الحق في الوصول إلى الموارد والتصرف بها، وتفتح الباب أمام إعادة هندسة الاقتصاد وفق منطق الضبط والاشتراط، لا فقط منطق الكفاءة والتحديث.
هذه الخطوة ليست مجرد مشروع تقني محايد، بل مشروع اقتصادي سياسي يعيد تعريف شكل السيطرة على المجال المالي، فضلا عن أن هناك تصورات تُطرح ضمن ترتيبات ما بعد الحرب تهدف إلى إعادة تشكيل غزة كحيّز منزوع السيادة النقدية، عبر تقليص استخدام النقد الورقي والدفع نحو نموذج “اقتصاد رقمي” تتحكم ببنيته التحتية أطراف خارجية تخدم الرؤية الإسرائيلية، حسب المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر من تدشين عملة رقمية في قطاع غزة، في تصريحات لوكالة صفا.
وطرحت عدة أفكار خلال فترة حرب الإبادة على غزة للتحكم المالي المطلق، منها خطة وزير خارجية الاحتلال لإلغاء النقد في غزة، ومحاولات مستمرة لمنع إدخال الكاش وفقدان الثقة بالعملات الورقية، مع تغييب واضح للدور الفعلي لسلطة النقد والبنوك. وتدشين العملة الرقمية يعني نقل النشاط المالي من مساحة الحق بامتلاك المال والتصرف به بحرية إلى مساحة التحكم التشغيلي والأمني، حيث تصبح كل معاملة قابلة للرصد والتتبع والبرمجة. حسب تصريحات أبو قمر.
تجميد المحافظ الرقمية
وأضاف أن العملة الرقمية إذا لم تخضع لسيادة فلسطينية كاملة على البيانات والخوادم وأنظمة الدفع، يمكن أن تتحول من أداة تسهيل إلى أداة ضبط جماعي. محذرًا من أن الخطر لا يقتصر على القدرة على “منع المال”، بل يشمل قابلية تجميد المحافظ الرقمية أو تقييدها بقرار إداري واحد، أو وسم الأفراد بتصنيفات أمنية تؤدي إلى تعطيل وصولهم لأموالهم، ما يجعل كل شيء رهن إشارة رقمية قابلة للتعليق.
وكشف أبو قمر عن أن الاقتصاد نفسه قد يُعاد تشكيله كشبكة شروط، بحيث تُربط الخدمات الأساسية والمساعدات والرواتب بدرجات الامتثال السياسي أو الأمني، وهو ما يحول التكنولوجيا المالية من وسيلة تحديث إلى بنية تصنيف تزيد من التبعية الاقتصادية وتؤسس لمرحلة جديدة من هندسة السيطرة على السكان.
ويبحث مسؤولون يعملون مع “مجلس السلام” التابع لدونالد ترامب إمكانية إطلاق عملة مستقرة في غزة، ضمن جهود إعادة هيكلة اقتصاد القطاع الفلسطيني المدمر. وتجري المحادثات حول إطلاق العملة المستقرة، وهي نوع من العملات الرقمية المرتبطة قيمتها بعملة رئيسية، كالدولار الأميركي، في مراحلها الأولية، ولا تزال تفاصيل كثيرة حول كيفية إطلاقها في غزة قيد الدراسة، حسب فايننشال تايمز.
انهيار النشاط الاقتصادي
لكن المسؤولين ناقشوا الفكرة ضمن خطتهم لمستقبل القطاع، حيث انهار النشاط الاقتصادي خلال الحرب الإسرائيلية مع حماس التي استمرت عامين، وتضرر النظام المصرفي والمدفوعات التقليدي بشدة.
قال مصدر مطلع على المشروع إن العملة المستقرة من المتوقع أن تكون مرتبطة بالدولار الأميركي، على أمل أن تتولى شركات خليجية وفلسطينية متخصصة في مجال العملات الرقمية قيادة هذا الجهد. لن تكون هذه عملة غزة أو عملة فلسطينية جديدة، بل وسيلة تُمكّن سكان غزة من إجراء معاملاتهم رقمياً”.
ويقود العمل على هذه الفكرة ليران تانكمان، رائد أعمال تقني إسرائيلي وضابط احتياط سابق، يعمل حالياً مستشاراً متطوعاً لدى “مجلس السلام” التابع لترامب، وهو الهيئة التي تقودها الولايات المتحدة والمكلفة بإعادة إعمار غزة، وذلك وفقاً لمصدرين مطلعين على الأمر.
ووفقاً لمصدر مطلع على المشروع، سيُقرر “مجلس السلام” واللجنة الوطنية لإدارة غزة الإطار التنظيمي للعملة الرقمية المستقرة وآلية الوصول إليها، مع العلم أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بعد.
سلطة النقد لا تملك صلاحية إصدار عملتها
وفي حديثه خلال اجتماع “مجلس السلام” في واشنطن الأسبوع الماضي، قال تانكمان إن اللجنة الوطنية لإدارة غزة تعمل على بناء “بنية تحتية رقمية آمنة، ومنصة مفتوحة تُمكّن من المدفوعات الإلكترونية والخدمات المالية والتعليم الإلكتروني والرعاية الصحية مع تحكم المستخدم في بياناته”، دون الخوض في التفاصيل.
إلى ذلك، قال مسؤول في إدارة ترامب: “يدرس مجلس السلام، والمجلس الوطني لحكومة غزة، ومكتب الممثل السامي لغزة، جميع الخيارات المتاحة لإنعاش اقتصاد غزة”. وكانت الولايات المتحدة قد دعت سابقًا إلى توسيع نطاق استخدام العملات المستقرة المدعومة بالدولار.
وتُعدّ سلطة النقد الفلسطينية بمثابة البنك المركزي لكل من الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة. إلا أنها لا تملك صلاحية إصدار عملتها الخاصة، والعملة الرسمية في الأراضي الفلسطينية هي الشيكل الإسرائيلي. ورغم وجود معاملات بالدولار في غزة، إلا أنها محدودة مقارنةً بالمعاملات بالشيكل.




