تكثف الولايات المتحدة تحركاتها السياسية والأمنية في العراق ضمن مسعى يهدف إلى إبعاد العراق عن أي تداعيات محتملة للمفاوضات الجارية مع إيران، سواء المرتبطة بالملف النووي أو بأمن الملاحة في مضيق هرمز، في خطوة تعكس رغبة أميركية متزايدة في فصل المسارات العراقية عن التفاهمات الإقليمية التي قد تمنح طهران متنفساً اقتصادياً أو سياسياً خلال المرحلة المقبلة.
وتشير معطيات سياسية إلى أن المبعوث الأميركي توم برّاك حمل خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد رسائل واضحة للحكومة العراقية الجديدة بقيادة علي الزيدي، تتعلق بضرورة تشديد الرقابة على الموارد المالية والاقتصادية ومنع استخدامها بصورة مباشرة أو غير مباشرة لدعم إيران، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة.
ضغوط أميركية لمنع استفادة طهران من موارد بغداد
بحسب مصادر سياسية عراقية، فإن واشنطن تنظر إلى العراق باعتباره إحدى الساحات الرئيسية التي يمكن أن تستغلها إيران لتعويض الضغوط الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليها، وهو ما دفع الإدارة الأميركية إلى مطالبة الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لضمان عدم انتقال أي موارد أو عوائد اقتصادية يمكن أن تصب في مصلحة طهران.
وتؤكد هذه الرؤية الأميركية أن أي تفاهمات مستقبلية مع إيران يجب ألا تفتح ثغرات تسمح بالالتفاف على العقوبات أو الاستفادة من الاقتصاد العراقي، خصوصاً في القطاعات المالية والتجارية والطاقة، التي تمثل نقاط تماس مهمة بين البلدين.
ويرى مراقبون أن هذه الرسائل تأتي في إطار استراتيجية أميركية أوسع تستهدف تضييق هوامش الحركة أمام إيران داخل المنطقة، مع الإبقاء على العراق شريكاً مستقلاً بعيداً عن أي ارتباطات قد تؤثر على توازناته السياسية أو الاقتصادية.
ملف الفصائل المسلحة يتصدر الأولويات
إلى جانب الملف الاقتصادي، برزت قضية الفصائل المسلحة بوصفها أحد أبرز المحاور التي ناقشها المسؤولون الأميركيون خلال الاتصالات الأخيرة مع القوى السياسية في العراق .
وتفيد مصادر مطلعة بأن مسؤولين أميركيين أبلغوا قيادات بارزة في “الإطار التنسيقي” أن الخطط المعلنة لنزع سلاح الفصائل المسلحة ما تزال بحاجة إلى آليات تنفيذية واضحة وشفافة، تسمح بالتحقق من عدم قدرة تلك الفصائل على الوصول إلى أسلحتها أو إعادة استخدامها مستقبلاً.
وتعتقد واشنطن أن نجاح الحكومة العراقية في هذا الملف يمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرتها على فرض سلطة الدولة وتعزيز الاستقرار الداخلي، لا سيما أن وجود جماعات مسلحة خارج المنظومة الرسمية ظل لعقود أحد أبرز التحديات الأمنية والسياسية في البلاد.
مطالب أميركية بموقف أكثر حزماً
ولم يقتصر الموقف الأميركي على الدعوة إلى نزع السلاح، بل امتد إلى المطالبة بإجراءات أكثر تشدداً وسرعة في التنفيذ، وسط قناعة لدى دوائر القرار في واشنطن بأن أي تردد في هذا الملف قد ينعكس سلباً على جهود تحقيق الاستقرار ويمنح أطرافاً إقليمية فرصاً إضافية للتأثير في المشهد العراقي.
ويرى متابعون أن الإدارة الأميركية تسعى إلى ضمان وجود مؤسسات أمنية وعسكرية عراقية قادرة على احتكار السلاح وإدارة الملف الأمني بعيداً عن النفوذ السياسي للفصائل، وهو ما تعتبره شرطاً أساسياً لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن خلال السنوات المقبلة.
حكومة الزيدي بين الضغوط السياسية والتحديات
وفي المقابل، تجد حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي نفسها أمام مجموعة معقدة من التحديات الداخلية والخارجية، إذ يتعين عليها تحقيق توازن دقيق بين الاستجابة للمطالب الأميركية والحفاظ على التوافقات السياسية الداخلية التي تشكل أساس استقرار الحكومة الحالية.
ويواجه العراق في الوقت ذاته ضغوطاً اقتصادية متزايدة رغم امتلاكه احتياطيات نفطية ضخمة، حيث تتحدث أوساط سياسية واقتصادية عن أزمة مالية تتطلب تحركات عاجلة لجذب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
زيارة مرتقبة إلى واشنطن لإنعاش الاقتصاد
وفي هذا السياق، تستعد الحكومة العراقية لزيارة مهمة إلى الولايات المتحدة خلال الشهر المقبل، يعول عليها المسؤولون العراقيون لفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري.
وتشير معلومات متداولة إلى أن الوفد العراقي سيضم عدداً كبيراً من رجال الأعمال والمستثمرين، في محاولة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتوقيع شراكات اقتصادية يمكن أن تسهم في دعم الخزينة العامة وتحسين الأوضاع المالية.
وتأتي هذه التحركات في ظل سعي بغداد إلى تجاوز التحديات الاقتصادية الراهنة وتوفير مصادر تمويل جديدة لمشروعات التنمية والبنية التحتية، مع تعزيز ثقة المستثمرين بالاقتصاد العراقي.
العراق في قلب التوازنات الإقليمية
وتكشف التحركات الأميركية الأخيرة عن إدراك متزايد لأهمية العراق في معادلة الشرق الأوسط، باعتباره دولة محورية تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً وثروات طبيعية كبيرة، فضلاً عن تأثيره المباشر في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي.
ومع استمرار المفاوضات والتجاذبات بين واشنطن وطهران، يبدو أن العراق سيكون مطالباً خلال المرحلة المقبلة باتخاذ قرارات دقيقة توازن بين مصالحه الوطنية والتحديات الإقليمية، وسط محاولات أميركية متواصلة لفصل مساره السياسي والاقتصادي عن أي ترتيبات قد تنشأ بين الولايات المتحدة وإيران.




