تعود تايوان إلى واجهة التوتر بين بكين وواشنطن، ليس فقط عبر صفقات السلاح، بل من خلال محاولة إعادة صياغة عقيدتها الدفاعية على نحو يُراكم الردع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. اقتراح الرئيس التايواني لاي تشينغ تي زيادة الإنفاق العسكري بنحو 40 مليار دولار على مدى ثماني سنوات يعكس إدراكاً متزايداً في تايبيه بأن ميزان القوة يتغير، وأن التعويل على الدعم الأميركي وحده لم يعد ضمانة كافية.
إعادة بناء الردع: دفاع جوي متعدد الطبقات
يهدف جزء معتبر من الزيادة المقترحة إلى تمويل مشروع “تي-دوم”، وهو نظام دفاع جوي متعدد الطبقات مستوحى من “القبة الحديدية” الإسرائيلية. الرهان هنا ليس على امتلاك قدرة هجومية، بل على تحصين المجال الجوي وتقليص كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة ضد الجزيرة. هذا التحول يعكس توجهاً تايوانياً نحو “الردع بالإنكار”: جعل سيناريو الضربة السريعة أقل جدوى، ورفع كلفة التصعيد بالنسبة لبكين.
واشنطن بين الردع والضبط
إشارات دونالد ترامب إلى قرار وشيك بشأن شحنات أسلحة جديدة لتايوان تضع السياسة الأميركية مجدداً في منطقة رمادية. فالولايات المتحدة، رغم عدم اعترافها الرسمي بتايوان، تبقى المورد العسكري الرئيسي لها، لكنها تحاول الموازنة بين ردع الصين وتفادي خطوات تُقرأ في بكين كاستفزاز مباشر. حذف تايوان من نص استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية لعام 2026، مقارنة بصيغ سابقة، يوحي بتحوّل لغوي محسوب يهدف إلى خفض منسوب الاستفزاز العلني، دون تغيير جوهري في جوهر الالتزام الأمني.
صفقات السلاح وحدود الردع العملي
إعلان تايوان في ديسمبر عن شراء أسلحة أميركية بقيمة 11.1 مليار دولار، شملت صواريخ وطائرات مسيّرة، شكّل أكبر صفقة منذ مطلع الألفية، وأثار رداً صينياً تمثل في انتشار عسكري واسع حول الجزيرة. هذه الحلقة المتكررة – صفقة تسليح يقابلها استعراض قوة – تكشف حدود الردع القائم على التراكم الكمي للسلاح، وتُبرز أن كل خطوة دفاعية تايوانية تُترجم في بكين كدليل إضافي على “عسكرة” الوضع القائم.
بكين والتصعيد المحسوب حول الجزيرة
تكثيف الصين لوجودها البحري والجوي حول تايوان بات جزءاً من “الضغط الروتيني”، لا مجرد رسائل ظرفية. الهدف الظاهر هو تطبيع حالة الطوق العسكري الرمزي حول الجزيرة، بما يقلّص هامش الحركة التايواني ويُبقي الضغط النفسي والسياسي في أعلى مستوياته من دون تجاوز عتبة الحرب. رد بكين على تصريحات لاي ووصمه بـ“افتعال الأزمات” يعكس حساسية خاصة تجاه أي خطاب تايواني يربط مصير الجزيرة بخرائط أمنية أوسع في المحيطين الهندي والهادئ.
تايوان في سردية الأمن الإقليمي
تحذير لاي من أن ضمّ تايوان – إن حدث – لن يقف عند حدود الجزيرة، بل ستكون له تداعيات على اليابان والفلبين وما وراءهما، يعكس محاولة لتدويل القضية وربطها بأمن النظام الإقليمي. هذا الخطاب يهدف إلى تحويل تايوان من “قضية سيادة صينية” كما تطرحها بكين، إلى عقدة توازن قوى تمس مصالح حلفاء واشنطن وشركائها. غير أن هذا التدويل ذاته يرفع من حساسية الملف، ويزيد من احتمالات سوء التقدير في بيئة استراتيجية مشحونة.
برلمان تايوان ومعضلة الشرعية الداخلية
الزيادة المقترحة في الإنفاق العسكري لا تزال رهينة موافقة البرلمان، ما يضع القرار الأمني في مواجهة حسابات اقتصادية واجتماعية داخلية. في مجتمع ديمقراطي متنوع الاتجاهات، لا يُعدّ الإجماع على أولوية الدفاع أمراً بديهياً، خصوصاً في ظل كلفة مالية ضخمة ممتدة على ثماني سنوات. هنا تتقاطع السياسة الداخلية مع حسابات الردع الخارجي، لتجعل وتيرة التعزيز الدفاعي أبطأ وأكثر عرضة للمساومات.
بين الردع وتفادي الانفجار
المشهد الراهن يوحي بأن الأطراف الثلاثة – تايوان، الصين، والولايات المتحدة – تتحرك داخل هامش ضيق بين تعزيز الردع وتفادي الانفجار. تايبيه تسعى لتحصين نفسها دفاعياً، واشنطن توازن بين الدعم والضبط، وبكين ترفع منسوب الضغط دون كسر السقف العسكري. في هذه المنطقة الرمادية، يصبح الخطر الأكبر هو تراكم الإشارات المتناقضة التي قد تفضي إلى سوء تقدير استراتيجي، لا إلى حرب مخططة سلفاً، بل إلى تصعيد يتجاوز نيات الأطراف المعلنة.






