أطلقت التحولات الجيوسياسية المتسارعة في سوريا عقب القضاء على نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 قطيعة جائحة بين دمشق وطهران، طوت أربعة عقود من التحالف الاستراتيجي والارتباط العضوي داخل ما كان يُعرف بـ”محور المقاومة”. وبينما تبحث القيادة الإيرانية اليوم عن منفذ لإعادة ترميم خطوط التواصل وتجنب تحول دمشق إلى الخصومة الكاملة، ترسم الحكومة السورية الجديدة معادلة تعامل صارمة تقوم على السيادة الكاملة، والقطع النهائي مع حقبة الارتهان الإقليمي والوظيفي.
مرجعيات التغيير وتراجع الهيمنة الإيرانية
سقوط حلقة الوصل المركزية: شكل انهيار نظام الأسد خسارة مأساوية للمنظومة الأمنية والعسكرية لطهران، مما جردها من العمق الاستراتيجي ورابط النفوذ البري المباشر نحو حزب الله في لبنان والشاطئ الشرقي للمتوسط.
إعادة التموضع السوري الإقليمي: نجحت دمشق في إعادة بناء شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية؛ بتعزيز الشراكات مع السعودية وقطر وتركيا، فضلاً عن اندماجها في “التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب” بقيادة واشنطن، وتفعيل مشاريع البنية التحتية والممرات اللوجستية البديلة كخط الحجاز.
الشرط السوري للندية: ترفض السلطات السورية الجديدة محاولات الالتفاف على جراح المرحلة السابقة؛ وتصر على ألا عودة للعلاقات إلا عبر مراجعة شاملة للسياسات الإيرانية السابقة، والتعاطي مع سوريا كدولة ذات سيادة لا كساحة لنفوذ وظيفي أو مذهبي.
استراتيجية بزشكيان للتودد وتبديد الشكوك

اختبار الخطاب الإسلامي الموحد: سعى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من منبر الأمم المتحدة للقفز فوق الخلافات المذهبية والسياسية عبر استدعاء مفاهيم “الوحدة الإسلامية والمصلحة المشتركة”، في محاولة لتبديد الصورة النمطية لسياسات طهران وتحقيق خرق دبلوماسي أول.
القبول بعلاقات الحد الأدنى: تشير القراءات التحليلية إلى استعداد طهران للقبول بمستوى تجاري وسياسي منخفض، يضمن لها البقاء كفاعل اقتصادي وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة لمنع كمال الانخراط السوري في محاور مناهضة لها.
الخشية من التمدد الإسرائيلي والتركي: تخشى القيادة الإيرانية من أن يؤدي الفراغ الناجم عن غيابها إلى تحول دمشق لبيئة نفوذ كاملة لتركيا وإسرائيل، مما يزيد من عزلة طهران الجيوسياسية في المشرق العربي.
التحديات الميدانية وضبط الأمن القومي
استمرار النشاط الأمني المعادي: تتصادم النوايا الدبلوماسية الإيرانية مع الواقع الميداني الذي يثبت استمرار المحاولات الاختراقية، وكان آخرها تفكيك الداخلية السورية لخلية تابعة لحزب الله اللبناني في حوض اليرموك بدرعا كانت تجهز المنصات الصاروخية.
تأطير المصالح الاقتصادية: رغم الإقرار بجغرافية إيران كفاعل إقليمي يمكن التلاقي معه في مشروعات نقل الطاقة وطريق الحرير، ترفض دمشق جعل الاستثمار الاقتصادي غطاءً لتسلل نفوذ أمني وسياسي مجدداً.
عدم العجلة والتريث: تتمسك القيادة السورية بمسافة أمان واسعة، متريثة في تقييم التحالفات الأمنية الإقليمية المتشكلة قبل الإقدام على أي خطوة تطبيعية قادمة مع طهران.
تُثبت ديناميات التفاعل الجارية أن دمشق لم تعد ذلك الطرف المرتهن لإملاءات المحاور الإقليمية؛ إذ تضع طهران أمام خيار واحد لا ثاني له: التخلي الكامل عن أوهام السيطرة والنفوذ المباشر، والاعتراف الميداني بسوريا كدولة عربية مستقلة تشترط السيادة والكرامة الوطنية كقاعدة أولى لأي حوار أو تقارب مستقبلي.






