دخلت قضية الأسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس مرحلة أكثر حساسية، بعد تصريحات رئيس الأركان إيال زامير الأحد، التي وجّه فيها تحذيراً مباشراً إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من أن “احتلال مدينة غزة قد يشكّل خطراً شديداً على حياة المحتجزين”. زامير دعا نتنياهو صراحة إلى القبول بالصفقة المطروحة حالياً، والتي وافقت عليها حماس، معتبراً أن الجيش “وفّر الشروط لإتمامها، والقرار أصبح في يد القيادة السياسية”.
ضغوط شعبية تتعاظم على الحكومة
هذه المواقف جاءت في ظل تصاعد ضغوط عائلات الأسرى الإسرائيليين التي نظّمت احتجاجات متكررة، مطالبةً الحكومة بالموافقة على الاتفاق. وفي بيان صدر عقب تصريحات زامير، قالت العائلات إن رئيس الأركان “يعكس مطلب غالبية الشعب الإسرائيلي بالتوصل إلى اتفاق شامل يعيد 50 أسيراً وأسيرة وينهي الحرب”.
تقديرات إسرائيلية تشير إلى أن حماس تحتفظ بنحو 50 أسيراً، بينهم 20 أحياء، في مقابل أكثر من 10 آلاف و800 معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية، وسط اتهامات من منظمات حقوقية بتعرضهم للتعذيب والإهمال الطبي.
نتنياهو بين الصفقة وخيار الحرب
ورغم أوامر نتنياهو الأخيرة ببدء مفاوضات لإطلاق الأسرى بالتوازي مع المضي في خطة عسكرية لاحتلال ما تبقى من قطاع غزة، إلا أن تصريحاته أظهرت رغبته في إدخال شروط جديدة على الصفقة، ما أثار شكوكا بشأن جديته في إنجازها.
الوسطاء الدوليون، وعلى رأسهم واشنطن، ينتظرون رداً رسمياً من الحكومة الإسرائيلية على المقترح الأميركي الذي أعلنت حماس موافقتها عليه، وهو مقترح يتطابق في معظمه مع ما قبلت به إسرائيل سابقاً.
خلاف داخل المؤسسة الأمنية
تحذيرات زامير من تداعيات احتلال غزة على حياة الأسرى لا تعكس مجرد رأي شخصي، بل تكشف انقساماً داخل المؤسسة العسكرية بشأن التوجّه السياسي للحكومة. فرغم أن رئيس الأركان سبق أن أبدى معارضته للعملية البرية الشاملة، أكد في الوقت ذاته أن الجيش “قادر على احتلال غزة”، لكنه شدّد على أن ذلك سيعرّض الأسرى لمخاطر جسيمة.
هذا الموقف يتناقض مع توجّه وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي صادق الجمعة الماضية على خطط لاحتلال غزة، مهدداً بتحويل المدينة إلى مصير مشابه لرفح وبيت حانون التي دمّرت بشكل واسع خلال الأشهر الماضية.
تفاصيل الصفقة المقترحة
بحسب القناة 12 العبرية، فإن الخطة المطروحة تشمل إعادة انتشار القوات الإسرائيلية قرب الحدود لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، ووقفاً لإطلاق النار لمدة 60 يوماً، يتم خلالها تنفيذ التبادل على مرحلتين: الإفراج عن 10 أسرى أحياء و18 جثماناً إسرائيلياً مقابل عدد من الأسرى الفلسطينيين، إلى جانب البدء في ترتيبات تهدئة دائمة منذ اليوم الأول.
هذه الصيغة تبدو بالنسبة للوسطاء مخرجاً يوازن بين متطلبات الأمن الإسرائيلي وضغوط العائلات، لكنها تصطدم بموقف نتنياهو الذي يحاول الجمع بين قبول الصفقة ومواصلة العمليات العسكرية.
خسائر الجيش وضبابية الأرقام
في موازاة الجدل حول الصفقة، أعلن الجيش الإسرائيلي السبت مقتل ضابط من لواء كفير في حادث عملياتي بخان يونس، ما رفع حصيلة القتلى الرسميين في صفوفه منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 899. غير أن الفصائل الفلسطينية تتهم الجيش بإخفاء الأعداد الحقيقية، مؤكدة تنفيذها كمائن وهجمات أسفرت عن قتلى وجرحى لم يُعلن عنهم.
غزة على حافة كارثة إنسانية
إصرار إسرائيل على المضي بخطة عسكرية لاحتلال مدينة غزة، التي تضم نحو مليون نسمة، يثير مخاوف من تكرار سيناريو التهجير والدمار الذي شهدته مناطق أخرى في القطاع. ورغم أوامر محكمة العدل الدولية بوقف الانتهاكات، تمضي العمليات العسكرية بدعم أميركي، ما يفاقم الأزمة الإنسانية.
حصيلة الحرب حتى الآن تشير إلى مقتل 62 ألفاً و686 فلسطينياً، وإصابة 157 ألفاً و951 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى أكثر من 9 آلاف مفقود ومئات آلاف النازحين. كما تسببت المجاعة الناتجة عن الحصار بوفاة 289 شخصاً، بينهم 115 طفلاً.
بين خيار التهدئة والتصعيد المفتوح
تضع تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي نتنياهو أمام خيارين متناقضين: المضي في صفقة تبادل قد تفتح الباب لتهدئة تدريجية، أو الإصرار على الحسم العسكري الذي يحمل في طياته مخاطر جسيمة على حياة الأسرى وعلى صورة إسرائيل داخلياً وخارجياً.
وبينما يترقب الوسطاء موقف تل أبيب النهائي، يظل سكان غزة، الذين يدفعون الثمن الأكبر من القتل والتدمير والتهجير، في قلب معادلة دولية تتجاهل المأساة الإنسانية مقابل حسابات الحرب والسياسة.






