يأتي الاجتماع الحادي عشر للجنة العسكرية السعودية – المصرية العليا في الرياض ليؤكد عمق العلاقة الاستراتيجية بين القاهرة والرياض، ويعكس إدراكاً متبادلاً بأن التحديات الأمنية في المنطقة لم تعد تحتمل مقاربات جزئية أو ثنائية مترددة. فالتعاون العسكري بين البلدين يمثل أحد أعمدة الاستقرار الإقليمي، في ظل بيئة شرق أوسطية مضطربة تتشابك فيها التهديدات التقليدية وغير التقليدية، من النزاعات المسلحة إلى الإرهاب والتدخلات الخارجية والصراعات بالوكالة.
تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط
تاريخياً، شكّل التنسيق العسكري بين مصر والسعودية حجر الزاوية في منظومة الأمن العربي، لكنه اليوم يكتسب بعداً إضافياً مع تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة الأزمات في البحر الأحمر واليمن والعراق ولبنان. فكل من القاهرة والرياض تنظران إلى الأمن الإقليمي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أمنهما الوطني، وهو ما يفسر استمرار عقد اجتماعات اللجنة العسكرية بشكل منتظم، وتوسيع نطاق التعاون ليشمل مجالات التخطيط والتدريب والدفاع الجوي والبحري، إضافة إلى التنسيق في مكافحة الإرهاب والتهديدات السيبرانية.
تكتسب الدورة الحالية للجنة أهمية خاصة لأنها تأتي في لحظة دقيقة تتسم بتغير موازين القوى في المنطقة، وتنامي النفوذ الإيراني عبر أذرع عسكرية في عدة دول عربية، فضلاً عن تداعيات الصراعات الممتدة في غزة واليمن. فالسعودية التي تخوض مساراً معقداً من المفاوضات مع الأطراف الإقليمية والدولية حول أمن البحر الأحمر والحدود الجنوبية، تدرك أن التنسيق مع مصر – صاحبة أحد أكبر الجيوش في المنطقة وذات الخبرة العميقة في إدارة الملفات العسكرية الإقليمية – هو عنصر حاسم لتحقيق الردع الاستراتيجي وضمان أمن الممرات المائية الحيوية. أما القاهرة، فتنظر إلى تعزيز التعاون مع الرياض باعتباره دعامة لاستقرار المشرق والخليج، ومصدراً لتوازن استراتيجي في وجه محاولات الهيمنة الخارجية أو تفكيك النسيج العربي.
دبلوماسية تعزز الموقف العربي الموحد
على المستوى العملي، يمكن قراءة التوقيع على محضر اللجنة في ختام الاجتماع بوصفه تجديداً للالتزام ببرامج التعاون القائمة، وإشارة إلى الانتقال من مرحلة التنسيق السياسي إلى مرحلة تفعيل المشاريع الدفاعية المشتركة. ومن المرجح أن يشمل ذلك زيادة التدريبات المشتركة، وتبادل الخبرات في مجال التسليح والتصنيع العسكري، وتطوير منظومات الدفاع الجوي والبحري، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد بتأمين الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. كما يُنتظر أن يكون التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات حول الجماعات المتطرفة جزءاً أساسياً من الأجندة الأمنية بين البلدين.
وتتجاوز أهمية هذا التعاون الإطار الثنائي لتشكل رسالة سياسية إلى الإقليم بأكمله، مفادها أن محور القاهرة – الرياض ما زال يمثل الثقل الاستراتيجي الأكبر في العالم العربي، القادر على صياغة مواقف جماعية مستقلة ومتماسكة تجاه الأزمات. فالتنسيق العسكري هنا ليس فقط أداة دفاعية، بل هو أيضاً أداة دبلوماسية تعزز الموقف العربي الموحد في مواجهة الضغوط الخارجية، سواء من القوى الكبرى أو من الأطراف الإقليمية المنافسة.
التوازن بين الاستقلالية العسكرية والانفتاح
من زاوية أخرى، يعزز هذا التعاون فرص بناء منظومة أمن إقليمي جديدة أكثر توازناً، تستند إلى القدرات الذاتية العربية بدلاً من الاعتماد على القوى الدولية. فبينما تعيد الولايات المتحدة وأوروبا النظر في أدوارهما في المنطقة، وتُظهر القوى الآسيوية اهتماماً متزايداً بالاستثمار لا بالانتشار العسكري، تبدو القاهرة والرياض مؤهلتين لقيادة نموذج جديد من الشراكة الدفاعية العربية، يوازن بين الاستقلالية العسكرية والانفتاح على التعاون الدولي.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن الاجتماع الأخير للجنة العسكرية السعودية – المصرية ليس مجرد لقاء تنسيقي روتيني، بل هو تجسيد لرؤية استراتيجية تتجه نحو تأسيس محور استقرار عربي يعتمد على التكامل الدفاعي والأمني بين أكبر قوتين عربيتين. هذا المحور، إذا ما تعزز بخطط تنفيذية طويلة المدى، قد يشكل نواة لتفاهمات أمنية إقليمية أوسع، تُعيد للمنطقة توازنها المفقود وتضع حداً لفوضى السلاح والصراعات بالوكالة التي أنهكت الدول العربية خلال العقدين الأخيرين.






