خرجت قمة الدوحة العربية ـ الإسلامية الطارئة أمس برسالة واضحة للعالم: التضامن المطلق مع قطر في مواجهة الاعتداء الإسرائيلي، والتشديد على أن استهداف دولة تلعب دور الوسيط المحايد في قضايا المنطقة يُعدّ خرقاً خطيراً للجهود الدبلوماسية.
البيان الختامي أدان العدوان واعتبره انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، داعياً الدول الأعضاء إلى مراجعة علاقاتها السياسية والاقتصادية مع إسرائيل، واللجوء إلى المسارات القانونية الدولية لمحاسبتها.
أمير قطر: السيادة خط أحمر
أكد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كلمته الافتتاحية أن بلاده ستتخذ كل ما يلزم للحفاظ على سيادتها، واصفاً مساعي إسرائيل لبسط نفوذها على المنطقة بأنها «وهم خطير».
وأضاف أن الهجوم لم يكن موجهاً لقطر وحدها، بل لكل من يسعى إلى حلول سلمية ونزيهة للصراعات في الشرق الأوسط، محذراً من أن استمرار الصمت الدولي يفتح الباب أمام المزيد من الاعتداءات.
الخليج يفعّل آليات الردع
بالتوازي مع القمة، عقدت قمة خليجية استثنائية خلصت إلى توجيه مجلس الدفاع المشترك للاجتماع العاجل في الدوحة، يعقبه اجتماع للجنة العسكرية العليا لتقييم الوضع الدفاعي في المنطقة.
القادة شددوا على تفعيل آليات الدفاع المشترك وتعزيز القدرات الرادعة لدول مجلس التعاون، في خطوة توحي بتحول استراتيجي من البيانات التضامنية إلى قرارات عملية قابلة للتنفيذ.
من جانبه، وجّه الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي رسالة شكر إلى أمير قطر، أكد فيها أن نتائج القمتين أظهرت دعماً عربياً وإسلامياً واسعاً لموقف الدوحة.
وأشار إلى أن الاعتداء الأخير لا يستهدف قطر وحدها، بل يمثل تهديداً لمجمل الأمن القومي العربي والإسلامي، مشدداً على أن التمسك بالقانون الدولي والشرعية الدولية هو السبيل لوقف هذه الانتهاكات.
فلسطين في قلب البيان
أعادت القمة التأكيد على أن السلام العادل والدائم لن يتحقق من دون حلّ القضية الفلسطينية وفق مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية.
البيان شدد على أن محاولات تجاوز حقوق الشعب الفلسطيني أو تطويعها تحت ذرائع أمنية إسرائيلية أمر مرفوض، مؤكداً أن الاستقرار في المنطقة يبدأ من إنهاء الاحتلال وضمان حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
«رسالة الدوحة وضعت المجتمع الدولي أمام اختبار»
يؤكد الدكتور سامر الكيلاني، أستاذ العلاقات الدولية، أن البيان الختامي الصادر عن قمة الدوحة «لا يقتصر على إدانة العدوان، بل يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي».
ويضيف أن غياب المساءلة الدولية شجع إسرائيل على الاستمرار في انتهاكاتها، لكن هذه المرة، وفق قوله، «الرد جاء عربياً وإسلامياً موحداً، وهو ما قد يغير معادلات الضغط في مجلس الأمن والمحافل الأممية».
يرى العميد المتقاعد راشد العتيبي، المحلل الأمني الخليجي، أن قرار مجلس التعاون بتفعيل آليات الردع والدفاع المشترك «خطوة استراتيجية لم تحدث منذ تأسيس المجلس».
ويشير إلى أن الاجتماع المرتقب للجنة العسكرية العليا سيكون محورياً، لأنه للمرة الأولى سيتم تقييم الوضع الدفاعي في ضوء تهديد مباشر لدولة عضو، وهو ما يعزز «مصداقية منظومة الأمن الجماعي الخليجي».
«المساءلة القضائية مطلوبة»
يقول الدكتور فؤاد عارف، الخبير في القانون الدولي، إن دعوة القمة لمباشرة الإجراءات القانونية ضد إسرائيل أمام المحاكم الدولية «تفتح مساراً عملياً طال انتظاره».
ويوضح أن هذا التوجه قد يشمل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وهو ما «يضع إسرائيل في موقع الدفاع القانوني أمام اتهامات بانتهاك سيادة دولة مستقلة ومبادئ الأمم المتحدة».
ويشدد المحلل السياسي الفلسطيني حسام ناصر على أن القمة أعادت التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، معتبراً أن «محاولات بعض الأطراف تجاوزها أو القفز عليها ثبت فشلها».
ويضيف أن ربط العدوان على قطر بتجاهل الحقوق الفلسطينية يوضح أن أي استقرار إقليمي «لن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره».
ويعتبر الدكتور طارق جاد الله، الخبير الاستراتيجي، أن ما جرى في الدوحة يمثل «رسالة ردع مزدوجة»: أولاً لإسرائيل بأن الاعتداء على دولة عربية لن يمر بلا رد، وثانياً للمجتمع الدولي بأن العرب قادرون على التحرك جماعياً.
ويضيف أن تزامن القمة العربية ـ الإسلامية مع القمة الخليجية «أعطى زخماً مضاعفاً، وأرسل إشارة بأن زمن الانفراد بالعواصم العربية قد ولى».






