استيقظت مناطق واسعة من أوكرانيا على موجة جديدة من الانقطاعات المفاجئة للتيار الكهربائي، عقب هجوم روسي “واسع النطاق” استهدف مجدداً البنية التحتية للطاقة، ووفقاً لوزيرة الطاقة الأوكرانية سفيتلانا غرينتشوك، فقد طالت الضربات منشآت حيوية لتوليد الكهرباء في عدة أقاليم، ما اضطر السلطات إلى تطبيق انقطاعات طارئة في محاولات لاحتواء الانهيار المؤقت لشبكة الإمداد.
هجوم جديد يعيد كييف إلى زمن الطوارئ
الهجمات الأخيرة ليست مجرد تصعيد عابر، بل تمثل استمراراً في استراتيجية روسية اعتمدتها موسكو منذ العام الماضي، تقوم على استنزاف القدرات اللوجستية الأوكرانية وإضعاف معنويات السكان عبر استهداف منشآت الطاقة خلال فصول البرد.
هذا النمط من العمليات يعكس فهماً روسياً دقيقاً لتأثير “الظلام والبرد” كسلاح نفسي وميداني في آن واحد.
في المقابل، تحاول السلطات الأوكرانية امتصاص الصدمة بسرعة، حيث سارعت فرق الإصلاح إلى الميدان لإعادة التيار للمناطق المتضررة، بينما دعا الرئيس فولوديمير زيلينسكي المجتمع الدولي إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي لحماية البنى التحتية، لكن هذه النداءات تتكرر في كل موجة هجوم، وسط تراجع الدعم الغربي وتباطؤ إمدادات السلاح.
وتشير تقديرات محلية إلى أن عشرات المحطات الفرعية ومحولات الضغط العالي تعرضت لأضرار متفاوتة، خاصة في مناطق أوديسا، خاركيف، وسومي، ما زاد من حالة الارتباك داخل شبكة الطاقة الوطنية التي تعاني أصلاً من هشاشة نتيجة عامين من القصف المتواصل.
الشتاء يقترب.. وسلاح البرد يدخل المعركة
مع اقتراب فصل الشتاء، يصبح استهداف منشآت الطاقة أحد أخطر أدوات الحرب الروسية، إذ يعتمد ملايين الأوكرانيين على التدفئة الكهربائية والغازية في مواجهة درجات حرارة قد تصل إلى ما دون العشرين تحت الصفر. أي خلل في الشبكة القومية يعني ببساطة تهديد حياة المدنيين في مدن كاملة.
ويرى محللون أن موسكو تراهن على الإنهاك النفسي قبل العسكري. فبينما تواصل قواتها التقدم البطيء في الجبهات الشرقية، تعمل الصواريخ والطائرات المسيّرة على “تجميد” الداخل الأوكراني عبر شلّ البنى التحتية، في محاولة لدفع السكان نحو الضغط على الحكومة للقبول بتسوية سياسية.
في هذا السياق، قال الرئيس زيلينسكي في خطاب مصوّر إن “الهجمات الروسية لم تعد مجرد قصف عسكري، بل حرب طاقة تهدف إلى كسر إرادة الشعب”، مؤكداً أن حماية الشبكة الكهربائية أصبحت “مسألة بقاء وكرامة وطنية”. وأضاف أن فرق الإصلاح تعمل ليلاً ونهاراً لإعادة الخدمة، رغم المخاطر التي تواجههم في الميدان.
لكنّ التحدي لا يقتصر على إعادة الإمدادات فقط، فالمخزون الإستراتيجي من الغاز والفحم تراجع بشدة، ومعدلات الإنتاج المحلي متدنية، ما يضع كييف أمام أزمة مضاعفة: نقص الوقود، وضعف الحماية، وشتاء يطرق الأبواب بسرعة.
رد كييف الدبلوماسي: استغاثة جديدة للغرب
سارعت وزارة الخارجية الأوكرانية إلى إطلاق حملة اتصالات عاجلة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لطلب دعم طارئ لقطاع الطاقة، سواء عبر تزويدها بمحولات بديلة أو تعزيز الدفاع الجوي حول محطات التوليد.
وقالت مصادر دبلوماسية في كييف إن الحكومة طلبت من بروكسل تخصيص حزمة جديدة من المساعدات التقنية لمواجهة “الشتاء المظلم”.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي وعد بمساعدات إضافية، فإن الجدول الزمني لتنفيذها يبدو بطيئاً، في حين تؤكد كييف أن أي تأخير سيكلفها مزيداً من الخسائر على الأرض. أما واشنطن، فقد ركزت رسائلها على “أهمية حماية البنى الحيوية” لكنها لم تعلن عن دعم عسكري مباشر جديد في هذا الملف.
وفي ظل هذه المعطيات، يتزايد الشعور داخل الأوساط الأوكرانية بأن الدعم الغربي بدأ يفقد زخمه. فبين أزمات الانتخابات الأميركية، وتراجع أولويات أوروبا المنهكة اقتصادياً، تبدو كييف اليوم في مواجهة شبه منفردة ضد سلاح الطقس والظلام.
ويرى مراقبون أن روسيا تستغل هذا الفراغ بذكاء، إذ تختبر حدود الصبر الغربي عبر تكثيف هجماتها غير المباشرة على المنشآت المدنية، دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تستدعي رداً غربياً مباشراً.
مدن بلا كهرباء.. وشوارع تتنفس على ضوء الهواتف
في مدينة أوديسا الساحلية، تحولت الليلة الماضية إلى مشهد من الظلام الكامل. سكان تحدثوا عن توقف الإشارات المرورية، وانقطاع الاتصالات المحمولة لساعات، فيما لجأ الناس إلى المصابيح اليدوية ومولدات الوقود الصغيرة.
الصور القادمة من هناك تعكس واقعاً مأساوياً يشبه مشاهد عام 2022، حين غطّت العتمة معظم الأراضي الأوكرانية.
وفي خاركيف، توقفت بعض القطارات مؤقتاً عن العمل بسبب توقف المحطات الكهربائية المغذية للسكك الحديدية، بينما اضطرت المستشفيات إلى تشغيل المولدات الاحتياطية. ومع كل ضربة جديدة، يتعمّق الإحساس بالخطر الداخلي، خاصة مع تزايد التحذيرات من موجة برد مبكرة هذا العام.
وعلى مواقع التواصل، انتشرت رسائل تدعو السكان لترشيد استخدام الكهرباء وحماية المولدات المنزلية من الانفجار أو التماس الكهربائي، في مشهد يختصر حالة التعب المجتمعي. حتى البلديات باتت تعلن عن جداول انقطاع يومية لتخفيف الضغط على الشبكة.
كل ذلك يجعل المشهد العام في كييف والمدن الكبرى أقرب إلى “حرب استنزاف بطيئة”، لا يُسمع فيها دوي المدافع بقدر ما يُشاهد أثر البرد والظلام على وجوه الناس.
سلاح موسكو غير التقليدي
يقول الخبير الأوكراني في شؤون الطاقة، الدكتور أنطون كوليسنيك، إن روسيا أدركت مبكراً أن استهداف البنية التحتية للطاقة هو الطريق الأقصر لإضعاف أوكرانيا من الداخل، موضحاً أن “المعركة الحقيقية الآن ليست على الجبهة العسكرية فقط، بل على من يملك القدرة على إبقاء المصابيح مضاءة”.
ويضيف أن أوكرانيا تواجه صعوبة كبيرة في إصلاح شبكتها الوطنية بسبب نقص المعدات التقنية، خصوصاً المحولات الصناعية الضخمة التي تستغرق شهوراً لتصنيعها. ويشير إلى أن أكثر من 40% من قدرة التوليد الوطني تضررت خلال العامين الماضيين، وأن الهجمات الأخيرة قد تدفع البلاد إلى اعتماد جدول تقنين قاسٍ للطاقة في الشتاء القادم.
ويؤكد كوليسنيك أن موسكو تستخدم الطائرات المسيّرة الإيرانية الصنع بكثافة لضرب الأهداف الصغيرة والمتوسطة، لأنها أقل كلفة وأكثر صعوبة في الرصد، ما يجعل الدفاع الجوي الأوكراني في سباق مع الزمن لتغطية جميع المناطق الحيوية. “الأمر أشبه بمحاولة حماية السماء كلها بمظلة واحدة صغيرة”، يقول ساخراً.
ويختتم حديثه بالقول إن ما يحدث اليوم ليس مجرد حرب، بل “اختبار لقدرة دولة بأكملها على الصمود وسط الظلام”، مشيراً إلى أن ما تحتاجه أوكرانيا ليس فقط الصواريخ الدفاعية، بل خطة طاقة متكاملة لضمان بقاء الشبكة حية مهما طال النزاع.
رسائل الكرملين الباردة
من وجهة نظر موسكو، يرى المحلل السياسي الروسي ميخائيل رومانوف أن الهجمات الأخيرة ليست عشوائية، بل جزء من سياسة “الضغط الهادئ” التي يتبعها الكرملين تجاه الغرب.
ويقول إن “ضرب الطاقة في أوكرانيا هو رسالة مزدوجة: للأوكرانيين كي يخضعوا، وللأوروبيين كي يدركوا أن استمرار الحرب سيجعلهم يدفعون الثمن اقتصادياً”.
ويشير رومانوف إلى أن روسيا لا تحتاج لهجوم شامل الآن، بل إلى تحريك الجبهة الاقتصادية، مضيفاً: “كل ساعة انقطاع في كييف، هي نقطة إضافية لصالح موسكو في معادلة الحرب النفسية”.
كما يرى أن الكرملين يختبر مدى تماسك الاتحاد الأوروبي في مواصلة دعم أوكرانيا خلال الشتاء، خاصة مع أزمة الطاقة الأوروبية المتجددة.
ويؤكد أن روسيا تعتبر قطاع الطاقة الأوكراني هدفاً مشروعاً من منظورها العسكري، لأنه يمد الجبهات بالوقود والكهرباء اللازمة لإدارة العمليات. “من الخطأ الاعتقاد أن موسكو تضرب المدنيين لمجرد التخويف، بل تسعى لإضعاف آلة الحرب الأوكرانية عبر تعطيل البنية اللوجستية”، بحسب تعبيره.
ويختم رومانوف تحليله قائلاً: “الشتاء سيكون فصلاً سياسياً أكثر منه ميدانياً. إذا نجحت موسكو في إبقاء كييف في الظلام، فإنها ستكسب جولة جديدة دون أن تطلق رصاصة واحدة”.






