منذ أن بدأت الحرب السورية تضع أوزارها تدريجياً، وبدأت رائحة الخراب تنقشع عن المدن التي تحولت إلى أطلال، بدأت شهية القوى الإقليمية والدولية تنفتح على ملف “إعادة الإعمار”، وهو الملف الأكثر حساسية وتعقيداً في المشهد السوري بعد الحرب. لكن إعادة إعمار سوريا ليست مجرد مشروع اقتصادي يهدف إلى بناء ما تهدّم، بل ساحة صراع جديدة، أكثر هدوءاً في ظاهرها، لكنها أكثر شراسة في مضمونها، حيث تتقاطع فيها مصالح الدول، وتُستخدم فيها أدوات النفوذ، وتُترجم فيها نتائج الحرب إلى استثمارات سياسية واقتصادية طويلة الأمد.
الحديث عن “كعكة” الإعمار ليس مجازاً فقط، بل توصيف دقيق لمشهد تتزاحم فيه الأطراف للفوز بحصة تعادل وزنها في الصراع، ويفرض كل طرف شروطه، وفقاً لدوره خلال الحرب، وحجم مساهمته في بقاء النظام أو خلخلة المعارضة. وفيما يقدّر خبراء الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار سوريا بأكثر من 400 مليار دولار، فإن هذه الكلفة لا تشمل فقط الخراب المادي، بل الخراب الذي مسّ البنية المجتمعية والاقتصادية والمؤسساتية.
لم تكن إيران تتوقع أن تخسر كل هذا النفوذ بهذه السرعة. سنوات من الإنفاق العسكري والدعم السياسي للنظام السوري انتهت إلى واقع مرير بعد سقوط الأسد، أو على الأقل تراجع دوره إلى ما يشبه الحضور الرمزي في المشهد السوري الجديد. فمع التغيرات السياسية الكبرى التي طرأت على تركيبة السلطة، وتقدّم قوى مدعومة من موسكو وعواصم خليجية لتولي زمام الملفات الحساسة، وجدت طهران نفسها خارج الحسابات المركزية في مرحلة ما بعد الحرب.
المشاريع التي كانت قد بدأت بها، والاتفاقيات التي وقّعتها مع النظام القديم، إما تم تجميدها أو أُعيد التفاوض حولها ضمن ترتيبات سياسية جديدة لم تكن لطهران اليد العليا فيها. ومع تقلّص نفوذ الحرس الثوري في الداخل السوري، وانكماش شبكة المصالح الاقتصادية التي كانت تغذّي وجودها، بدت إيران وكأنها الخاسر الأكبر في معركة إعادة الإعمار، بعد أن كانت تتطلع إلى تحويل سوريا إلى امتداد استراتيجي دائم في المشرق العربي.
أيضا، لم تعد تركيا تتعامل مع الشمال السوري بوصفه منطقة نفوذ مؤقتة أو ورقة مساومة فقط، بل باتت تنظر إليه اليوم كجزء من معادلتها الأمنية والاستراتيجية في ظل النظام الجديد الذي بدأت ملامحه تتشكل في دمشق. ومع تراجع حدة التوتر مع العواصم الإقليمية، باتت أنقرة تتحرك بمرونة أكبر، مدفوعةً برغبتها في توطيد العلاقة مع السلطة الجديدة، لا سيما بعد أن أصبح واضحاً أن صفحة النظام السابق قد طُويت، أو أنها على وشك ذلك.
في هذا السياق، تسعى تركيا إلى تعزيز سلطة السوريين المحليين الذين تدعمهم في الشمال، عبر مؤسسات إدارية وخدمية واقتصادية، كوسيلة لضمان الاستقرار على حدودها، ومنع أي تمدد لمليشيات أو كيانات تعتبرها تهديداً لأمنها القومي. لكنها في الوقت ذاته، بدأت تطرق أبواب مرحلة إعادة الإعمار من بوابة الشرعية السياسية، واضعةً على الطاولة مطالب واضحة: ضمان حصة معتبرة من مشاريع الإعمار، سواء في الشمال أو في مناطق أوسع عبر شركاتها الكبرى، وخلق بيئة تتيح عودة كريمة وآمنة لجزء من اللاجئين السوريين المقيمين على أراضيها.
التحول التركي من إدارة مناطق نفوذ إلى شريك محتمل في بناء الدولة الجديدة يعكس تغيراً في العقيدة السياسية تجاه الملف السوري، لكنه يبقى مرهوناً بمدى قبول الفاعلين الآخرين – خاصة روسيا ودول الخليج – بالدور التركي، وبقدرة أنقرة على التوفيق بين طموحاتها ومخاوف الآخرين.
في الضفة الأخرى، تتريث دول الخليج في دخول معركة الإعمار، لكنها لا تغيب عنها. فالسعودية والإمارات، اللتان عادتا إلى تطبيع حذر مع دمشق، تدركان أن التوقيت هو العنصر الحاسم. فالانخراط المبكر في الإعمار يمنحهما تأثيراً أكبر، لكنهما في الوقت نفسه، تسعيان إلى ربط أي تمويل أو مشاريع بتقليص النفوذ الإيراني، وهو ما لا يبدو مضموناً في المدى القريب. ورغم أن المال الخليجي وحده القادر على تحريك مشاريع حقيقية للإعمار، إلا أن هذا المال ما زال مشروطاً، وينتظر تغيراً في المعادلة السياسية.
أما الصين، فتراقب المشهد بصمت. بكين التي اعتادت الدخول في مشاريع إعادة الإعمار في بيئات هشة، تنظر إلى سوريا من زاوية “مبادرة الحزام والطريق”، وترى فيها محطة لوجستية مهمة تربط آسيا بالمتوسط. لكنها لا تتعجل الدخول في مستنقع غير مستقر، وتفضّل اللعب على المدى الطويل، باستثمارات صغيرة متدرجة، وبعيداً عن التجاذبات السياسية. الصين تراهن على اللحظة التي تتخلى فيها الدول الغربية عن شروطها السياسية، أو اللحظة التي تتعب فيها القوى الإقليمية من صراع النفوذ، لتدخل هي كخيار آمن لا يُخيف أحداً.
وفي الطرف الغربي من المشهد، تتمسك الولايات المتحدة ومعها أوروبا بموقف ثابت: لا تمويل للإعمار دون حل سياسي حقيقي. فالعقوبات المفروضة على دمشق، وعلى أي جهة تتعامل معها، تعرقل تدفق رؤوس الأموال، وتحول دون انخراط الشركات الكبرى. كما أن واشنطن ترى في ملف الإعمار ورقة ضغط أخيرة لإجبار النظام على تقديم تنازلات سياسية، وهو ما يجعل المشاركة الغربية في الإعمار مؤجلة إلى إشعار آخر.
هكذا، يتحول ملف إعادة الإعمار إلى مرآة دقيقة للصراع على سوريا، ولكن بأدوات جديدة. فبعد أن كانت المعارك تُخاض بالصواريخ والجنود، صارت تُخاض اليوم بالاستثمارات والاتفاقيات ومكاتب المقاولات. ومن بين كل هذه الأطراف، يظل الشعب السوري هو الغائب الأكبر عن هذا السباق. فالسوريون الذين هُجّروا وفقدوا بيوتهم، لا يعرفون حتى الآن من سيعيد بناء حياتهم، ولا بأي شروط. بل إن الكثير منهم يخشى أن تتحول بلاده إلى سوق مفتوح تتقاسمه القوى الإقليمية، دون أن يكون لهم رأي أو صوت.
السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيفوز بكعكة الإعمار، بل: هل سيكون هناك إعمار حقيقي من دون إعادة بناء السياسة؟ وهل يكفي أن تُرفع المباني، إن كانت القلوب لا تزال مهدّمة؟ وهل يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية في ظل غياب العدالة، والمساءلة، والمصالحة؟ أم أن الكعكة، كما يراها البعض، ستبقى فاسدة في جوهرها مهما تنوعت مكوناتها؟





