تعكس تصريحات الأمين العام لحزب الله في لبنان، نعيم قاسم، المتجددة حول تمسّك الجماعة بسلاحها، مشهداً سياسياً وأمنياً معقداً يختزل طبيعة التوازنات الدقيقة في الداخل اللبناني وعلاقاته الإقليمية والدولية. فالتأكيد على “عدم التخلي عن السلاح” في هذا التوقيت بالذات، وفي ظل التصعيد العسكري المتبادل بين إسرائيل وحزب الله على الحدود الجنوبية، لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات المتسارعة في الإقليم، وعن الصراع المزمن بين منطق “الدولة” ومنطق “المقاومة” الذي لا يزال يتحكم في معادلات الحكم والسيادة داخل لبنان منذ عقود.
يأتي تصريح نعيم قاسم ليعيد إلى الواجهة مسألة السلاح التي تُعدّ لبّ الخلاف الوطني اللبناني منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، وهي المسألة التي ظلت معلّقة على “خصوصية المقاومة” في مواجهة إسرائيل، ثم تحولت تدريجياً إلى مصدر انقسام داخلي عميق بعد أن أصبح سلاح الحزب جزءاً من توازنات السلطة، ومظهراً من مظاهر النفوذ الإقليمي الإيراني. فحين يعلن قاسم أن “من حقنا أن نقوم بأي شيء لحماية وجودنا”، فإن هذا الخطاب يتجاوز الإطار الدفاعي التقليدي إلى تأكيد مبدأ “الاستقلال المسلح” عن الدولة، في مواجهة ليس فقط إسرائيل، بل أيضاً أي محاولة داخلية لتقييد دور الحزب أو إخضاعه لقرار الدولة اللبنانية.
حزب الله يتحدى السيادة الوطنية
دلالات هذا الموقف تتصل مباشرة بواقع الدولة اللبنانية الراهن، التي تعيش مرحلة دقيقة من إعادة التموضع بعد سلسلة من الأزمات: الانهيار الاقتصادي، والشلل السياسي، والضغوط الدولية المطالبة بإصلاح مؤسسات الحكم. في هذا السياق، يمثل خطاب رئيس الحكومة نواف سلام – الذي أكد أن “السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها” – موقفاً يعبر عن رغبة في استعادة السيادة الوطنية، لكنه في الوقت نفسه يصطدم بجدار الواقع السياسي والأمني الذي يفرضه حزب الله كقوة منظمة، تمتلك ترسانة عسكرية تفوق قدرات الجيش اللبناني نفسه، وتتحكم إلى حد كبير في القرار الأمني جنوب الليطاني. ومن ثمّ، فإن تصريحات قاسم تبدو بمثابة رد مباشر على توجهات الحكومة لتأكيد احتكار الدولة للسلاح، وعلى أي مسعى عربي أو دولي لدمج الحزب ضمن منظومة القرار الرسمي.
إنّ رفض حزب الله “الاستبدال باتفاق جديد” لوقف إطلاق النار، والإصرار على الالتزام فقط بما ورد في الاتفاق القديم جنوب الليطاني، يعكسان خشية الحزب من أي صيغة تفاوضية قد تُنتج واقعاً جديداً يحد من حركته الميدانية أو يضع سلاحه تحت المراقبة الدولية. فالحديث عن “نقاش داخلي بعد تنفيذ الاتفاق القديم” يعني فعلياً تأجيل أي بحث جدي في مستقبل سلاح الحزب إلى ما بعد انسحاب إسرائيل الكامل وإطلاق الأسرى، أي إلى مرحلة لاحقة يحدّد الحزب شروطها بنفسه. هذه المقاربة تُبقي زمام المبادرة بيده، وتحافظ على معادلة “الردع المتبادل” مع إسرائيل، في حين تمنح الحزب شرعية خطابية داخلية بصفته “حامياً للبنان” لا خصماً له.
طهران ورقة ضغط ميدانية
كما أن تأكيد قاسم على أن حزب الله “اعترف باتفاق وقف إطلاق النار حصراً جنوب الليطاني” يحمل رسالة مزدوجة: فهو من جهة يسعى إلى تثبيت شرعية وجوده العسكري في منطقة التماس كقوة مقاومة، ومن جهة أخرى يرفض توسيع أي تفاهم دولي أو أممي ليشمل نزع سلاح الحزب أو إعادة تعريف دوره خارج الجنوب. هذا التحديد الجغرافي والسياسي في الوقت ذاته يؤكد أن الحزب يرى نفسه جزءاً من معادلة أمنية إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، إذ يرتبط موقفه بالتطورات في غزة وسوريا وإيران. فحزب الله لم يعد فاعلاً محلياً فقط، بل بات جزءاً من منظومة “المحور المقاوم” التي تعمل بتنسيق استراتيجي مع طهران، ما يجعل قراراته العسكرية والسياسية متشابكة مع حسابات إقليمية أوسع.
من هنا، فإن تصريحات قاسم يمكن قراءتها أيضاً في ضوء تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، وتوسّع دائرة الاشتباك في المنطقة. فحزب الله، الذي يواجه منذ أشهر غارات إسرائيلية متكررة على جنوب وشرق لبنان، يدرك أن أي خطوة لتقييد سلاحه الآن قد تُضعف موقعه التفاوضي أمام خصمه الإسرائيلي، وربما أمام طهران نفسها التي تعتمد عليه كورقة ضغط ميدانية. لذلك فإن تأكيده على “الحق في حماية الوجود” ليس فقط خطاباً دفاعياً، بل رسالة ردع تهدف إلى تأكيد أن الحزب لن يتراجع عن معادلة السلاح مقابل الأمن، مهما كانت الضغوط.
هل يمتلك حزب الله القدرة على فرض إرادته عسكرياً؟
في المقابل، تمثل مواقف الحكومة اللبنانية، ولا سيما تصريحات رئيسها نواف سلام، تعبيراً عن اتجاه متنامٍ داخل الدولة يسعى إلى إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة، مستفيداً من الدعم العربي والدولي الراهن للبنان في مواجهة التصعيد الإسرائيلي. هذا الخطاب الرسمي، الذي يشدد على أن “الدولة استعادت حصرية قرار الحرب والسلم”، يعكس محاولة لإعادة ترميم مؤسسات الدولة وفرض مرجعية موحدة، لكنه يصطدم بمعادلة القوة على الأرض، إذ إن حزب الله لا يزال يمتلك القدرة على فرض إرادته عسكرياً وسياسياً. وهنا تتجلى المفارقة اللبنانية التقليدية: الدولة التي تعلن سيادتها لا تملك أدواتها كاملة، والحزب الذي يعلن التزامه بالدفاع الوطني يحتكر أدوات القوة خارج مؤسسات الدولة.
يتضح من هذا التباين أن لبنان يعيش مرة أخرى لحظة اختبار لمعادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، التي تأسست عليها الحياة السياسية بعد انسحاب إسرائيل عام 2000، وأعيد تكريسها بعد حرب تموز 2006. هذه المعادلة، التي سمحت للحزب بالاحتفاظ بسلاحه ضمن إطار وطني فضفاض، تبدو اليوم على المحك، إذ لم تعد تحظى بالإجماع الشعبي والسياسي السابق. فالأزمة الاقتصادية الخانقة والانقسامات الطائفية العميقة جعلت كثيراً من اللبنانيين ينظرون إلى سلاح الحزب باعتباره عبئاً أكثر منه حماية. لذلك فإن تصريحات قاسم، وإن كانت تعكس ثقة الحزب في قوته، إلا أنها تكشف أيضاً عن قلقه من تآكل شرعيته الداخلية في ظل بيئة محلية ودولية ضاغطة.
ومن زاوية أخرى، فإن رفض الحزب لأي تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل يعكس تمسكه بدوره كممثل وحيد لـ”المقاومة”، في مواجهة أي مسار سياسي قد يُعيد تعريف العلاقة بين البلدين. الرسالة المفتوحة التي وجهها الحزب إلى الرؤساء الثلاثة (الجمهورية والحكومة والبرلمان) برفض التفاوض، تُظهر أن الحزب لا يكتفي بالعمل العسكري، بل يسعى أيضاً إلى رسم حدود القرار السياسي الوطني، بما يضمن استمرار دوره خارج مؤسسات الدولة. وهو بذلك يعيد إنتاج المعادلة القديمة التي تضعه فوق الدولة لا داخلها، متذرعاً بغياب “الضمانات الدولية” وباستمرار العدوان الإسرائيلي.
رفض أي مسار تفاوضي
في المقابل، يمثل حديث نواف سلام عن “دعم عربي ودولي لانسحاب إسرائيلي كامل ووقف العدوان” إشارة إلى أن الدولة اللبنانية تسعى إلى توظيف اللحظة الإقليمية لصالحها، لتأكيد حضورها السياسي في المفاوضات المقبلة. غير أن هذه الجهود تواجه عراقيل حقيقية، أبرزها أن حزب الله يرفض أي مسار تفاوضي لا يكون هو شريكاً فيه، الأمر الذي يجعل لبنان في مأزق مزدوج: فهو من جهة تحت ضغط الحاجة إلى الحلول الدبلوماسية لتفادي الانزلاق إلى حرب شاملة، ومن جهة أخرى واقع تحت قبضة طرف داخلي يمتلك سلطة القرار العسكري المستقل.
إنّ دلالات تصريحات قاسم تتجاوز البعد الأمني إلى البعد الرمزي العميق المتعلق بمفهوم “الدولة” في الوعي اللبناني. فحين يقول إن الجماعة “لن تتخلى عن سلاحها”، فإن هذا يعني عملياً أن مشروع الدولة المركزية القادرة لا يزال مؤجلاً، وأن لبنان سيظل أسيراً لتوازن هش بين سلطة رسمية محدودة النفوذ وسلطة واقعية تمثلها جماعة مسلحة تمتلك شرعية دينية وسياسية. وهذا الوضع يكرّس الانقسام البنيوي الذي يمنع قيام دولة المواطنة الحديثة، ويُبقي لبنان رهينة للتجاذبات الإقليمية.
من جهة أخرى، فإن الخطاب المزدوج بين “حق المقاومة” و“سيادة الدولة” يعكس استمرار الصراع حول هوية لبنان ودوره في الإقليم. فبينما تسعى الحكومة إلى إعادة تموضع البلاد في إطار عربي ودولي يدعم الاستقرار والانفتاح، يتمسك حزب الله بخطاب الممانعة الذي يربط لبنان بمحور إقليمي تقوده إيران. هذه الثنائية تجعل من السلاح رمزاً لصراع أعمق حول الاتجاه الاستراتيجي للدولة اللبنانية: هل هي جزء من النظام العربي التقليدي، أم رأس حربة في مشروع المقاومة الإقليمي؟
ازدواجية القرار والسلاح
خلاصة القول إن تصريحات نعيم قاسم ليست مجرد موقف داخلي، بل هي بيان سياسي يعيد تثبيت معادلة حزب الله داخل لبنان: السلاح هو الضمانة، والمقاومة هي المرجعية، والدولة شريك في الهامش. وبينما يحاول رئيس الحكومة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمقاومة على أساس السيادة الواحدة، يصر الحزب على إبقاء معادلة القوة خارج الأطر المؤسسية. وهكذا، فإن ما يجري اليوم يعيد إنتاج المأزق اللبناني المزمن، حيث يُراد للدولة أن تكون واجهة سياسية، بينما تظل السلطة الحقيقية بيد من يحمل السلاح.
إنّ دلالات هذا الموقف تتجاوز الراهن السياسي إلى البعد الوجودي للبنان ككيان موحد. فاستمرار ازدواجية القرار والسلاح يعني أن الدولة ستظل عاجزة عن حماية نفسها أو التفاوض باسمها، وأن الاستقرار لن يكون ممكناً إلا إذا وُضعت معادلة جديدة تدمج المقاومة ضمن إطار الدولة لا فوقها. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى تصريحات قاسم تعبيراً عن حقيقة راسخة: لبنان يعيش بين مشروعين متوازيين لا يلتقيان — مشروع دولة تسعى للسيادة، ومشروع مقاومة ترى في نفسها هوية الوطن وسلاحه معاً.







