في قلب واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم، يقف قطاع غزة اليوم أمام واقع بالغ القسوة، حيث تتداخل الحرب والحصار والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي في مشهد يصعب اختزاله في سبب واحد أو طرف واحد.
ويبدو أن القطاع الذي يعيش منذ سنوات طويلة تحت ضغوط مركبة، بات نموذجًا لأزمة ممتدة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، لتطال تفاصيل الحياة اليومية لملايين السكان، من الغذاء والدواء إلى البنية التحتية وفرص الحياة الكريمة، وفي خضم هذا الواقع، تتصاعد تساؤلات جوهرية حول الأدوار التي أسهمت في تشكيل هذا المشهد المأزوم، وفي مقدمتها دور حركة حماس بوصفها الفاعل الداخلي الرئيسي في القطاع.
كما ساهمت سياسات حماس في تعميق معاناة سكان غزة، من خلال تقديم أولوياتها السياسية والعسكرية على حساب الواقع الإنساني، وهي أطروحة تثير جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والفكرية، بين من يراها قراءة واقعية لطبيعة الأزمة، ومن يعتبرها اختزالًا لمشهد بالغ التعقيد.
ويستند هذا الطرح إلى أن التركيز على الخيار العسكري، وما يرتبط به من جولات تصعيد متكررة، جعل القطاع يدفع أثمانًا باهظة على المستويين البشري والمادي، بما يعيد إنتاج دوائر الدمار بدلًا من فتح مسارات أكثر استقرارًا نحو التهدئة والتنمية.
ومن المؤكد أن إدارة القطاع داخليًا تمثل أيضًا محورًا للنقاش، في ظل الانتقادات الموجهة إلى تحديات الحوكمة، وتوزيع الموارد، وأولويات الإنفاق، ومدى توظيف الإمكانات المحدودة في تحسين حياة السكان، فثمة من يرى أن الأزمات الخدمية المزمنة، من الكهرباء والمياه إلى الرعاية الصحية وفرص العمل، ليست فقط نتاج ظروف خارجية، بل ترتبط أيضًا بسياسات داخلية تستحق المراجعة، خاصة في ظل استمرار تدهور مؤشرات المعيشة واتساع الفجوة بين احتياجات السكان وإمكانات الواقع.
غير أن هذا الطرح يظل موضع اختبار نقدي، إذ يثير سؤالًا أساسيًا حول مدى مباشرة الربط بين سياسات حماس وحدها وبين حجم الدمار القائم، فهل تتحمل الحركة المسؤولية الأساسية عن هذا الواقع، أم أن الأزمة نتاج تفاعل معقد بين قرارات داخلية وضغوط خارجية وصراعات ممتدة؟.
هذا السؤال يفرض قراءة أكثر عمقًا تتجنب التبسيط، خاصة أن تحميل طرف واحد كامل المسؤولية قد يغفل طبيعة الصراع المركب الذي تعيشه غزة منذ سنوات، ويختزل الأزمة في تفسير أحادي لا يعكس كامل الصورة.
ويبدو أن العوامل الخارجية ستظل عنصرًا حاسمًا في فهم المشهد، بدءًا من الحصار الطويل والقيود المفروضة على الحركة والتجارة، مرورًا بتداعيات العمليات العسكرية المتكررة وما خلفته من تدمير واسع للبنية التحتية، وصولًا إلى البيئة الإقليمية والدولية التي كثيرًا ما جعلت القطاع ساحة لتقاطعات سياسية تتجاوز حدوده. وهذه العوامل لعبت دورًا رئيسيًا في تعميق الهشاشة الاقتصادية والإنسانية، بما يجعل أي مقاربة للأزمة غير مكتملة إذا تجاهلت هذا البعد.
وفي قلب هذا الجدل، تبرز إشكالية “السلاح والمقاومة” باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا، فهناك من يطرح أن نزع سلاح حماس قد يكون مدخلًا لإعادة الإعمار وفتح أفق جديد للاستقرار، باعتباره يزيل أحد أبرز عناصر التوتر ويهيئ البيئة لتسويات طويلة الأمد.
لكن في المقابل، ينظر أنصار الحركة إلى هذا الطرح باعتباره غير واقعي أو متجاهلًا لطبيعة الصراع، ويرون أن السلاح جزء من معادلة الردع وليس مجرد خيار تنظيمي يمكن التخلي عنه بسهولة، ما يجعل المسألة أبعد من مجرد معادلة تقنية أو سياسية بسيطة.
وتفتح هذه الإشكالية باب المقارنة مع تجارب نزاعات أخرى شهدت مسارات مختلفة بين نزع السلاح، أو دمج الفصائل المسلحة في ترتيبات سياسية انتقالية، أو بناء صيغ هجينة توازن بين الأمن والسياسة، غير أن نقل هذه النماذج إلى غزة يظل محل تساؤل، نظرًا لخصوصية الحالة الفلسطينية وتشابك أبعادها الوطنية والإقليمية، ما يجعل الحديث عن نزع السلاح كحل مباشر يواجه تحديات نظرية وعملية على حد سواء.
أما على مستوى السكان، فإن كلفة هذا الجدل تُدفع يوميًا من حياة المدنيين، حيث تتراكم آثار السياسات والصراعات من جميع الأطراف على الاقتصاد والخدمات والتعليم والصحة وفرص إعادة الإعمار، فالقطاع لا يواجه فقط أزمة دمار مادي، بل أيضًا استنزافًا اجتماعيًا وإنسانيًا طويل المدى، يهدد بتآكل فرص التعافي إذا لم تُطرح حلول تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجتها جذريًا.
وفي تقييم هذا الطرح، يمكن القول إن من نقاط قوته أنه يسلط الضوء على مسؤولية الفاعل الداخلي، ويدفع نحو التفكير في حلول طويلة الأمد تتجاوز منطق إدارة الصراع إلى بناء مسارات استقرار مستدامة، كما أنه يثير نقاشًا مشروعًا حول العلاقة بين السلاح والحكم والتنمية، وهي أسئلة لا يمكن تجاوزها في أي تصور لمستقبل القطاع.
لكن تبدو نقاط الضعف واضحة أيضًا، إذ إن اختزال الأزمة في مسؤولية حماس وحدها قد يتجاهل عوامل خارجية حاسمة، ويقود إلى قراءة ناقصة لأزمة متعددة المستويات، كما أن تصوير نزع السلاح كشرط وحيد للخلاص قد يبدو تبسيطًا مفرطًا، خاصة إذا لم يرتبط برؤية سياسية شاملة تشمل إنهاء الحصار، وضمانات أمنية، وإطارًا لإعادة الإعمار، وتسوية أوسع تعالج جذور الصراع لا أعراضه فقط.
ومن هنا تبرز مقاربات بديلة تطرح نفسها بقوة، من بينها إصلاحات سياسية داخلية تعيد ترتيب الأولويات داخل القطاع، وترتيبات تهدئة طويلة الأمد تخلق مساحة للتنمية بدلًا من دورات التصعيد، إلى جانب دور أكبر للمجتمعين الإقليمي والدولي في تمويل إعادة الإعمار وضمان عدم تحولها إلى عملية مؤقتة تنتهي مع أول جولة توتر جديدة، فربما لا يكون السؤال فقط كيف يُعاد إعمار غزة، بل كيف يُبنى واقع يمنع انهيارها مجددًا.
وفي المحصلة، تبدو معاناة غزة نتاج تداخل معقد بين سياسات داخلية وضغوط خارجية وصراع ممتد، بما يجعل نقد حماس ممكنًا ومشروعًا ضمن رؤية شاملة، لكن دون اختزال الأزمة في طرف واحد أو تبني تفسير أحادي لمسألة شديدة التعقيد.
وبين الطروحات التي ترى في مراجعة دور الحركة مدخلًا للحل، وأخرى تؤكد أن أي تسوية لا بد أن تعالج مجمل أسباب الأزمة، يبقى السؤال مفتوحًا: ما الطريق الواقعي القادر فعلًا على تخفيف معاناة سكان غزة، بين نزع السلاح، والإصلاح السياسي، والتسوية الشاملة، أم أن الحل يكمن في معادلة تجمع كل ذلك معًا؟
أمينة خليفة




