تراقب موسكو من مسافةٍ آمنة تطورات المواجهة في الشرق الأوسط، حيث تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إضعاف النظام في إيران. ورغم توسّع التعاون الأمني بين روسيا وطهران في السنوات الأخيرة، لم يرتقِ هذا التقارب إلى اتفاق دفاع مشترك، ما يفسّر الحذر الروسي الحالي.
ردّ الكرملين اتّسم بقدرٍ من البرود. فقد أدانت وزارة الخارجية الروسية الضربات الأميركية والإسرائيلية، بينما التزم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطاباً أقل حدّة، مكتفياً بوصف اغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي بأنه “جريمة مشينة” من دون توجيه اتهام مباشر لواشنطن. وفي 2 مارس/آذار، أجرى بوتين اتصالات بقادة خليجيين داعياً إلى خفض التصعيد، في محاولة لترسيخ صورة روسيا كوسيط محتمل.
قراءة تحليلية:
توازن موسكو بين رغبتها في الحفاظ على شراكتها مع طهران، وحرصها على عدم تعقيد قنوات التواصل مع البيت الأبيض في ظل مسار التفاوض حول أوكرانيا. فالتورّط المباشر إلى جانب إيران قد يوسّع الفجوة مع واشنطن ويقوّض فرص المناورة الدبلوماسية التي تحتاجها روسيا في الملف الأوكراني.
2) كييف بين التضامن السياسي وحسابات الميدان
في المقابل، سارعت كييف إلى إعلان تضامنها مع الشعب الإيراني، معتبرة أن طهران دفعت ثمن دعمها العسكري لموسكو. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن النظام الإيراني “اختار أن يكون شريكاً لبوتين”، في إشارة إلى تزويد روسيا بطائرات “شاهد” المسيّرة التي استُخدمت لضرب البنية التحتية الأوكرانية.
الجدل اتّسع بعد تصريحات لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر حول احتمال الاستفادة من خبرة أوكرانيا في إسقاط المسيّرات الإيرانية دفاعاً عن شركاء في الخليج. غير أن زيلينسكي أوضح لاحقاً أن كييف لم تتلقَّ طلبات رسمية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام أي تعاون تقني محتمل.
قراءة تحليلية:
تسعى أوكرانيا إلى تحويل خبرتها القتالية في مواجهة المسيّرات إلى رصيد سياسي ودبلوماسي. لكنها تدرك في الوقت ذاته أن انخراطاً مباشراً خارج مسرحها الأساسي قد يعرّضها لانتقادات داخلية، أو يشتت مواردها في لحظة دقيقة من الحرب مع روسيا.
3) انعكاسات الصراع: مكاسب ظرفية لموسكو ومخاطر على كييف
على المدى القريب، قد ينعكس التصعيد في الشرق الأوسط سلباً على أوكرانيا أكثر من روسيا. فاحتمال انشغال الولايات المتحدة عسكرياً في جبهة جديدة قد يؤثر في وتيرة الدعم أو في توافر بعض الذخائر الحيوية، بما في ذلك صواريخ أنظمة “باتريوت” التي تعتمد عليها كييف لصد الهجمات الباليستية.
في المقابل، لا يبدو أن الحرب ستحدّ عملياً من قدرات روسيا بعيدة المدى. فموسكو لم تعد تعتمد كلياً على واردات المسيّرات من إيران، إذ طوّرت خطوط إنتاج محلية لنسخ معدّلة بكميات أكبر. كما أن أي ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط قد يمنح الخزينة الروسية دفعة إضافية، ولو كان تأثيرها مرهوناً بمدى استدامة الصعود.
التقدير العام:
المشهد يفرض على واشنطن معادلة دقيقة: إدارة تصعيد في الشرق الأوسط من دون إضعاف التزاماتها تجاه أوكرانيا. وإذا استمرت موسكو في تشديد عملياتها العسكرية، فقد تجد الإدارة الأميركية نفسها مضطرة للحفاظ على مستوى الضغط ذاته على الكرملين، رغم تشعب الأولويات.
في المحصلة، يكشف التصعيد الإقليمي عن ترابط الأزمات الدولية أكثر مما يخلق تحالفات صلبة. روسيا تناور لتفادي خسائر استراتيجية، وأوكرانيا تحاول منع تراجع الدعم الغربي، بينما يبقى مسار الحربين – في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية – متأثراً بحسابات الطاقة والسياسة الداخلية في العواصم الكبرى.




